فهرس الكتاب

الصفحة 704 من 1908

• معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: (من قاتل تحت راية عمية) :

روى مسلم في «صحيحه» عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصر عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي، يَضربُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلَا يَتَحَاشى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ) (1) اهـ.

قال علماؤنا - رحمهم الله: الراية العمية «هي الأمر الأعمى لا يستبين وجهه؛ كذا قال أحمد بن حنبل والجمهور, قال إسحاق ابن راهويه: هذا كتقاتل القوم للعصبية» قاله النووي في شرح مسلم (2) ، وهي مأخوذة من العمى وهو الضلال وعدم البصيرة, فصاحبها يقاتل لا على الحق ولا على بصيرة من الله تعالى, بل يقاتل لهوى نفسه ونصرًا لقومه أو بلده ووطنه ودولته وما شابه, ذلك وبغضّ النظر عن كونه مع الحق أو لا, وبغض النظر عن كون ذلك محبوبًا لله - عز وجل - مأمورًا به في شريعته سبحانه أو لا.

فإذا عرفت أن من هذا حاله في قتاله قد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه يموت ميتة جاهلية؛ أي يموت عاصيا لله تعالى, شبه ميتته بميتات أهل الجاهلية, يموتون على الباطل! فكيف بمن يقاتل على الباطل رأسًا وهو يعلم أنه على الباطل الواضح البين: يقاتل على الكفر والشرك ومحاربة الدين وينصر قوى الكفر والطغيان والضلالة والعهر والمجون والإفساد في الأرض؟! نسأل الله العافية والسلامة .. آمين.

وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة) هو تفسير لقوله: (من قاتل تحت راية عمية) .. بيانه أن جملة (يغضب) هي إما جملة مفسرة لا محلّ لها من الإعراب على قول أكثر النحاة, أو موضعها موضعُ ما تفسِّره على قول بعضهم, وهي كاسمها تفسيرٌ لما جرتْ عليه, أو هي جملة حالية فموضعها نصبٌ, وجملة الحال قيدٌ لعامِلها, أو هي على أضعف الاحتمالات جملة مستأنفة مبتدأة, فلا محل لها من الإعراب أيضا وهي حينئذٍ خارجة مخرج البيان لما قبلها, وعلى كل التقديرات: فإن جملة (يغضبُ لعصبةٍ) وما عطف عليها، هي تفسير وبيان ووصف وتقييد لقوله: (من قاتل تحت راية عمية) وهذا واضح إن شاء الله.

إذا تبين ذلك؛ فإن الذي يقاتل تحت راية عمية هو من يقاتل من أجل العصبة ويغضب للعصبة ويدعو إلى العصبة وينصر العصبة, أي لا على أساس الدين, ومعنى العصبة: ما يتعصب له الإنسان أي

(1) صحيح مسلم (1848) .

(2) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (12/ 238) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت