وتنبيه آخر: وهو أنني في مثل هذه المسائل أستحب لإخواني المجاهدين وغيرهم من سائر المسلمين أن يكتفوا بالحكم على الأفعال، ولا يتعنّتوا ويصرّوا على الحكم على الأشخاص، ولا سيما من عافانا الله من مقاربته وملابسته في الواقع والميدان.
وأن يكتفوا أيضًا بالحد الأدنى من الحكم المستيقَن، وأعني به أنك يكفيك أن تعرف أن الشخص الفلاني منحرف عن الدين، ضالٌ، عنده ضلالات كبيرة وكثيرة، وأنه يُخشى عليه من الكفر.!
وبالتالي تجتنبه وتحذر منه .. فهذا القدر كافٍ وبركة ولله الحمد.
أما الإصرار على الجزم بكفر فلان أو علان (من أهل القبلة وممن ينتسب إلى الدين والدعوة ممن وقعت منهم أخطاء تحتمل تكفيرهم) فإن هذا من الخطر العظيم ومما لا نفتأ نحذر منه؛ لأن هذه المسائل هي في الأصل من باب القضاء لا الفتوى، ومهما يكن فهي تحتاج إلى تثبّت في معرفة حال الشخص وإثباتات وبينات لما صدر منه، بعد معرفة حكم ما صدر منه في الشرع.
ولا شك أن الأشخاص والأحوال والصور مختلفة، وليست في درجة واحدة.
فقد يكون كفر بعض الأشخاص مما عُرف واتضح حتى للعوام.
ومنها ما يكون أقل ظهورا وأكثر التباسا واحتمالا فليترك لأهل العلم، وهكذا ..
وهذا -عند العقلاء الحريصين على دينهم وأخراهم- موجبٌ لتمام الحذر والتأني وعدم التسرع، وطلب السلامة.!
فمَن كان من أهل النظر وتبيّن له كفرُ الشخص المعيّن ساغَ له القول به، ومَنْ لا فليعرف قدر نفسه وليلزم السكوت والاكتفاء بالحد االمستيقَن كما أشرتُ إليه.
وأشد منه خطأ بل هو الانحراف الخطير والضلال المبين والعياذ بالله أن تُجعل مثل هذه المسائل أعني تكفير فلان أو علان -مما يُحتمَلُ- كالمسائل القطعية المحكمة في دين الله تعالى، ويُمتَحن بها الناس، ويصنّفون على أساسها، ويعقد عليها الولاءُ والبراء، وتوقد من أجلها نيران الحروب.!!
فهذا وباء خطير ومرض فتّاك حين تبتلى به ساحات الدعوة والجهاد، لا بد من التحذير منه وتحصين شبابنا وأجيالنا منه، والله وليّ التوفيق.
وإلى الوقت الذي يتسنّى لكم فيه الرجوع إلى أهل العلم؛ عليكم بالحلم والأناة، وترك الطيش والعجلة، وليتذاكر مع الأمثل فالأمثل، مع معرفة أنها مسألة قابلة للبحث أكثر ولتغير رأيه فيها.