المكتسب بعقد فاسدٍ كفوائد الربا، وكالأموال المجنية من تجارة الخمر والمخدرات ونحوها، فلا يجوز الأكل منها ولا قبولها .. بخلاف أثمان الخمر والخنزير من أهل الذمة فيجوز الأخذ منها، كما قال سيدنا عمر - رضي الله عنه: «ولُّوهم بيعها وخذوا أثمانها» وهو أثر صحيح (1) ، وهو أصل في هذا الباب عند الفقهاء. وإن كان غير معينٍ؛ وهي مسألة اختلاط الحلال بالحرام، ففيها أيضا اختلاف كثيرٌ وتفاصيل، والراجح ما سنذكره بعدُ. وإن كان من كافرٍ؛ فهل يختلف عما إذا كان من مسلم، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه أكلوا من طعام وهدايا الكفار من اليهود وغيرهم ولم يسألوهم، وكذلك قصة سيدنا إبراهيم الخليل الآتية بعدُ، هذا أيضًا محل اختلف فيه أهل العلم، ويحتاج إلى تفصيل.
وهذا الفرع في حد ذاته يحتاج إلى تفاصيل، أعني معرفة الأموال وما يحل منها أخذه وقبوله وأكله وما لا يحل، من مسلم وكافر، في حال التعيّن وفي حال الاختلاط، والفقهاء يتكلمون في هذه المسائل في أبواب متفرقة في كتب الفقه وفي الفتاوى؛ فمن المواضع التي أدلكم عليها تراجعونها في ذلك، الآتي:
-كتاب الحلال والحرام، وهو الكتاب الرابع من ربع العادات من كتاب «إحياء علوم الدين» للإمام أبي حامد الغزالي - رحمه الله - (2) ، فهو أَصَّلَ في هذه المسألة تأصيلًا لم يسبق إليه فيما أعلم، وإن كان على اختياراته في فروع هذا الباب ملاحظات وتعقبات، وبالغ في مسائل من الورع واعتبار الشبهات .. !
- «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» ؛ خصوصا المجلد التاسع والعشرين (3) ففيه عدة فتاوى في هذه المسائل، وفيها تحرير ونفائس لا تكاد توجد عند غيره.
- «جامع العلوم والحكم» لابن رجب الحنبلي - رحمه الله - (4) عند شرح الحديث: (الحلال بين والحرام بين) (5) .
(1) ثابت عن عمر وهو مذهب الأئمة؛ قال هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، انظر: مجموع الفتاوى (29/ 265) .
(2) إحياء علوم الدين (2/ 88 - 156) .
(3) مجموع الفتاوى (29/ 239، 241، 252، 272، 273) قال -لما سُئِل عن أصحاب الحرف المحرمة-: «إذَا كَانَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَلَالٌ وَحَرَامٌ فَفِي مُعَامَلَتِهِمْ شُبْهَةٌ؛ لَا يُحْكَمُ بِالتَّحْرِيمِ إلَّا إذَا عُرِفَ أَنَّهُ يُعْطِيهِ مَا يَحْرُمُ إعْطَاؤُهُ. وَلَا يُحْكَمُ بِالتَّحْلِيلِ إلَّا إذَا عُرِفَ أَنَّهُ أَعْطَاهُ مِنْ الْحَلَالِ. فَإِنْ كَانَ الْحَلَالُ هُوَ الْأَغْلَبَ لَمْ يُحْكَمْ بِتَحْرِيمِ الْمُعَامَلَةِ وَإِنْ كَانَ الْحَرَامُ هُوَ الْأَغْلَبَ. قِيلَ بِحِلِّ الْمُعَامَلَةِ. وَقِيلَ: بَلْ هِيَ مُحَرَّمَةٌ» .
(4) جامع العلوم والحكم (1/ 200) قال: «مُعَامَلَةُ مَنْ فِي مَالِهِ حَلَالٌ وَحَرَامٌ مُخْتَلِطٌ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ مَالِهِ الْحَرَامَ؛ فَقَالَ أَحْمَدُ: يَنْبَغِي أَنْ يَتَجَنَّبَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا يَسِيرًا، أَوْ شَيْئًا لَا يُعْرَفُ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: هَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ أَوْ مُحَرَّمٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ مَالِهِ الْحَلَالَ، جَازَتْ مُعَامَلَتُهُ وَالْأَكْلُ مِنْ مَالِهِ» .
(5) صحيح البخاري (52، 2051) ، صحيح مسلم (1599) .