فهرس الكتاب

الصفحة 1041 من 1908

معقد الإشكال في مسألة البدعة:

إن معظم الإشكال -والله أعلم- في باب البدعة يأتي من جهة التداخل في أفعال المكلف بين ما هو تعبّديّ (أي أنه عبادةٌ وقربةٌ ودينٌ بشكل واضح) وما هو عاديّ (أي ليس بعبادةٍ ولا قربة ولا من الدين بمعناه القريب المباشر) .

فما كان من الدين والعبادة والقربات فتدخُلُه البدعة، بلا إشكال.

وأما ما كان من الأمور العادية وهي تصرفات الناس الحياتية الدنيوية التي ليست موضوعة بالأساس موضع العبادة والقربة، فليست من «الدين» بمعناه القريب الواضح؛ فهذه قد دلّت أدلة الشريعة على أن الله تعالى وسّع على المكلفين فيها وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) (1) ، وإنما سيّجهم بسياجات الحرام البين لا يتعدّونه، وأباح الله لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث، وأمرهم بفعل الخير والأسباب والوسائل المعينة عليه، ونهاهم عن الشر والظلم والبغي والعدوان والأسباب والوسائل المؤدية إليه.

لكن المشكلة أن كثيرًا من تصرفات الخلق (أفعال المكلفين) يكون فيها تداخلٌ بين الوصفين، فهي من جهة «تدينٌ» وعبادة، ومن جهة هي أمرٌ عاديّ مما يتصرّف به الناس في حياتهم «ارتفاقًا» أي انتفاعًا وتيسيرًا، ففيها الشائبتان؛ «شائبة العبادة» و «شائبة العادة» ، وقد تغلب هذه الشائبة وتكون الأكثر ظهورًا، وقد تغلب تلك.

ومن هنا بحث الشاطبي: هل للبدعة مدخل في العاديات (وهي الأمور العادية الحياتية غير التعبدية، وضابطها أنها التي لا يقصد بها التعبد لذاتها) :

قال الشاطبي - رحمه الله - في الاعتصام -بواسطة اختصاره للشيخ علوي السقاف-: «أفعالُ المكلفين -بحسب النظر الشرعي فيها- على ضربين:

أحدهما: أن تكون من قبيل التعبدات.

والثاني: أن تكون من قبيل العادات.

فأمَّا الأوَّل: فلا نظر فيه ها هنا.

(1) صحيح مسلم (2363) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت