فهرس الكتاب

الصفحة 1043 من 1908

فهذا السطر الأخير هو الخلاصة: «العاديات من حيث هي عادية لا بدعة فيها، ومن حيث يُتَعبَّد بها أو توضع وضع التعبد تدخلها البدعة» .

ويتضح ذلك بمعرفة معنى كلمة (أمرنا) في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من أحدث في أمرنا هذا) وقوله (من عمل عملا ليس عليه أمرنا) وقوله: (محدثات الأمور) ، وقوله: (وشر الأمور محدثاتها) (1) .

فهذا الأمر أفردَه أحيانا وجمعه أحيانًا، وأضافة تارة إلى ضمير الجمع على معنى أمر المسلمين المنسوب إليهم، وقطعه عن الإضافة تارةً معرفًا تعريفَ العهد الذهني والله أعلم، وهو في كل ذلك معناه: أمر الدين والشريعة التي جاء بها (من عند ربه - عز وجل -.

قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم في شرح حديث (من عمل عملًا .. ) : «فهذا الحديث بمنطوقه يدل على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود ويدل بمفهومه على أن كل عمل عليه أمره غيرُ مردود، والمراد بأمره ههنا دينه وشرعه، كالمراد بقوله في الرواية الأخرى: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد) ؛ فالمعنى إذا أن من كان عمله خارجا عن الشرع ليس متقيدا بالشرع فهو مردود وقوله: (ليس عليه أمرنا) إشارة إلى أن أعمال العاملين كلهم ينبغي أن تكون تحت أحكام الشريعة فتكون أحكام الشريعة حاكمة عليها بأمرها ونهيها فمن كان عمله جاريا تحت أحكام الشريعة موافقا لها فهو مقبول ومن كان خارجا عن ذلك فهو مردود» (2) اهـ.

والحاصلُ؛ أن هنها ثلاث مراتب:

الأولى: ما كان من «الدين» ومن أمر الشارع، بلا إشكال.

الثانية: ما ليس من الدين ولا من «أمر الشارع» .

الثالثة: ما وُجِد فيه الشائبتان وحصل فيه التداخل؛ فهو من الدين من جهة ومن زاوية وباعتبارٍ، وهو من جهةٍ وزاوية أخرى وباعتبارٍ آخر: من أمور العادات ومن التصرفات الحياتية العادية المباحة للناس أو مما لهم فيه حاجة ومصلحة.

فهذا القسم الثالث: الأمرُ راجع فيه إلى النظر والترجيح، ولذا أمكن أن يختلف فيه المفتون وتتعدد

(1) تقدم تخريج هذه الأحاديث قبل قليل.

(2) جامع العلوم والحكم (ص 177) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت