فيه أنظار أهل الفقه.
فما غلب عليه الاعتبار الدينيّ (أي: غلبَ وجهُ كونه من الدين ومن أمر الشريعة) فتدخله البدعة، ولاسيما إن انضاف إلى ذلك: علمُنا بوجود المقتضي في العهد النبوي الشريف مع عدم فعل النبيّ (وأصحابِهِ له، أو: عدم وجود مصلحة راجحة فيه ولا حاجة ذات بال تدعو إليه.
وما غلبَ عليه الاعتبار العاديّ، فلا مدخلَ للبدعة فيه، لا سيما إذا انضاف إليه: حاجةُ الناس إلى الفعلِ لمصلحةٍ راجحة .. والله أعلم.
وهو ما أشار إليه الشاطبي - رحمه الله - في تعريفه حين أضاف الطريقة إلى الدين، ثم قيّدها بأن تكون مقصودًا بها المبالغة والغلو في التدين والتعبد.
«وفائدة هذا الضابط في تحرير مفهوم البدعة التمييز بينها وبين ما أحدث بعد عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- مما لا يراد به التعبد بذاته، قال الإمام الشاطبي: «وقد تبين بهذا القيد أن البدع لا تدخل في العادات» (1) قلت: ومثال هذا وسائل الركوب والاتصال وكل ما دخل على حياة الناس من وسائل الراحة التي سخرها الله تعالى لنا، بل إن هذا القيد يُخرج من البدعة أيضًا أمورًا حدثت بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يقصد التعبد لله بذاتها، وإنما هي من الوسائل التي يوجد في أصول الشرع ما يدل على مشروعية اتخاذها لتحقيق مقصود الشرع، وذلك من باب أن الوسائل لها حكم المقاصد وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإذا دل الشرع على مقصد مشروع -كتسوية الصف في الصلاة- فلا مانع من اتخاذ وسيلة مباحة لتحقيق ذلك، طالما لم يرد التعبد بهذه الوسيلة وإن لم تكن موجودة على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومثال ذلك الخطوط التي ترسم في أرض المسجد؛ فإن هذه لم تكن معروفة في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومع ذلك فإنها لا تعتبر بدعة لأننا لا نتعبد لله بها، وإنما نتعبد لله بتسوية الصف ونتخذ هذه الخطوط وسيلة لضبط ذلك، وكذلك ركوب السيارة إلى المسجد لا يراد منه التعبد بركوب السيارة، وإنما يتعبد لله بالسعي إلى المسجد وتتخذ السيارة وسيلة لتحقيق هذا المقصد المشروع، ومن ذلك أيضًا علوم النحو والإعراب ونقط المصحف وإعجام الحروف، فهي وسائل لحفظ القرآن الكريم ولكننا لا نتعبد لله تعالى بذاتها وإنما نتعبد لله بالمقصد الذي تبلغنا إياه.
(1) مختصر الاعتصام (ص 10) .