إن تحرير هذا الضابط مفيد جدًا في التمييز ما بين البدع المذمومة والمستحدثات غير المذمومة، ويقطع دابر التشويش الذي يحدثه البعض حين يلبسون على الناس، فيوهمونهم أن دعاة الحق ممن يحاربون البدعة يريدون أن يعودوا بالناس إلى عصر الدواب والحمير والبغال، وهذا التشويش إرجافٌ وتضليلٌ بلا ريب، فدعاة الحق في كل زمان ومكان - نسأل الله أن يجعلنا منهم - ليس لهم همٌ سوى حمل الناس على متابعة هدي النبوة، ثم ليستمتعوا بما أباحه وسخره الله تعالى لهم في الكون ما شاؤوا، وهل كان ضلال أهل الكتاب إلا عندما فرطوا في هذه المتابعة فأحدثوا في دينهم وحرفوا كتاب ربهم حتى انتهى بهم الحال إلى عبادة العباد ومخالفة صراط رب العباد» اهـ (1) .
فائدة مكملة لكلام الشاطبي المتقدم في ضابط البدعة:
وهي عن الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله -، قال: «كل عبادة يُتعبد اللهُ بِها يجب أن تتحقق فيها المتابعة للرسول (، ولا يتحقق فيها ذلك إلا بموافقتها للشريعة في ستة أوصاف؛ فتغيير صفةٍ من هذه الصفات بدعة، وهذه الصفات الست هي:
1 -أن تكون العبادة موافقة للشريعة في سببها، فأيُّ عبادة ليس لها سببٌ ثابتٌ بالشرع مردودة، مثل الاحتفال بمولد النبيِّ (.
2 -أن تكون موافقة للشريعة في جنسها، فلو ضحى أحدٌ بفرس كان بذلك مخالفًا للشريعة.
3 -أن تكون العبادة موافقة للشريعة في قدرها، فمَن زاد في الصلاة الظهر مثلًا ركعتين لم يكن موافقًا للشريعة بالعبادة في قدرها.
4 -أن تكون العبادة موافقة للشريعة في كيفيتها، فمن ابتدأ في وضوئه بغسل الرجلين ثم مسح الرأس لم يكن موافقًا للشريعة في كيفيتها.
5 -أن تكون العبادة موافقة للشريعة في زمانِها، فلا تصح صلاة الظهر قبل الزوال.
6 -أن تكون العبادة موافقة للشريعة في مكانِها، فلا يصح في اليوم التاسع من ذي الحجة الوقوفُ بغير عرفة» (2) .
(1) من كلام الدكتور وسيم فتح الله، من رسالته بعنوان: «البدع وأثرها السيء في الأمة» [المؤلف] .
(2) ذكرها الشيخ في عدد من المواضع بألفظ متقاربة مع شرحها أحبانًا، لعلَّ أجمعها في: فتاوى نور على الدرب - قسم البدعة.