من سواهم، وذلك فيه كثيرٌ من الحقّ، وقد يغلو أناسٌ في ذلك، ويتعالون ويتعاظمون وهم في الحقيقة إنما يتهاوون ويسقطون! وقد يحمل النصر أقوامًا على أن يستطيلوا على الخلق ولا سيما على إخوانهم المسلمين، فيذلّوهم ويسخروا منهم ويُسخّروهم ويظلموهم ويهينوهم!! نسأل الله لنا ولسائر إخواننا السلامة والعافية وحسن الختام .. آمين.
أيها الإخوة، وسترون كثيرا من الناس يدّعون أنهم كانوا وكانوا، وأنهم عملوا وضحّوا وجاهدوا وأعانوا وآووا ونصروا وفعلوا .. فيهم الصادق وفيهم غير ذلك.! وأكثرُ الناس مع مَن غلب .. ! ومن يعش منا ومنكم فسيرى أمورًا عظيمة .. !
أيها الإخوة الأحباب، ليس شيء أنجى من الفتن من العدل وإحقاق الحق، وإعطاء كل ذي حقّ حقه، والعفو والتعافي والإغضاء والتسامح، (رحِم الله عبدًا سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا قضى وإذا اقتضى) (1) ، {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) } [الأعراف] والقبول من المحسِن والعفو عن المسيء، و (إنما بُعِثتم ميسرين) (2) ، و (إن الله بعثني معلّمًا ولم يبعثني متعنّتًا) (3) ، الله عزّوجل قسم فضله ورحمته بين خلقه، فمنهم السابق ومنهم اللاحق المقارب، ومنهم دون ذلك .. فالسابق للخير والفضل له فضل سبقه وتقدّمه، واللاحق له من ذلك بحسبه .. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .. وبعض الناس اليوم يخالفني ويخاصمني وقد يعاديني وينصر عدوّي عليّ، ولكن إذا انتصرتُ فإن من يكتب اللهُ له الخيرَ والنجاح، يلحق بركبِ أهل الخير ويكون معهم، ويقرّ بذنبه وتقصيره، ويصدق اللهَ - عز وجل -، فينال ما كُتِب له من الأجر.
فإن فاته أن يكون من السابقين فليكن من التابعين بإحسانٍ، وأهل السبق وأهل النصر والظهور، عليهم أن يعفو ويصفحوا وييسروا ويقبلوا العذرَ ويُقيلوا العثرة في غير تكبّرٍ ولا تعالٍ ولا تجبّر، بل تواضعٌ في غير ضعف، وعفو عند المقدرة، وإحسانٌ ورحمة وإعانة على الخير وفتح لأبوابه.
وأساس ذلك كله تقوى الله - سبحانه وتعالى - والصدق والإخلاص، وتحقيق التوحيد لله رب العالمين، والاتحاد والائتلاف والاجتماع واجبٌ متأكدٌ، والحذر الكامل من أسباب الفُرقة والاختلاف، واعلموا أن الاجتماع وائتلاف قلوب المسلمين على المفضول خيرٌ من التنازع في تحصيل الفاضل، ولئن ساغ أن
(1) صحيح البخاري (2076) ، سنن ابن ماجه (2203) وهذا لفظه، وصححه الألباني.
(2) صحيح البخاري (220) .
(3) صحيح مسلم (1487) بنحوه.