إلا بالله.
إن الذي تنوي المحاكم الإسلامية الدخول فيه مع أطراف أخرى هو تحالفٌ ( isbeheysi) والتحالف في اللغة مأخوذ من الِحلف (بكسر الحاء) وهو العهد والصداقة لأن كل صديق يحلف لصاحبه أن لا يغدر به، وجمع الحلف أحلاف.
وشرعا: المعاقدة والمعاهدة والاتفاق على إحقاق الحق ورد الباطل ونصر المظلوم وردع الظالم.
ويكون بين قوم كفار، ويكون بين مسلمين وكفار.
والحلف كان معروفًا قبل الإسلام كما يدل عليه ما عُرف في الجاهلية بحلف الفضول الذي أشاد به النبي -صلى الله عليه وسلم- وأثنى عليه بعد بعثته بقوله: (لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا لو دُعيت به في الإسلام لأجبت) وفي لفظ آخر: (ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت) (1) ، وقد روي عنه قوله: (وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة) (2) أي قوة.
وحلف الفضول أكرم حلف سُمع به وأشرفه في العرب، وكان أول من تكلم به ودعا إليه الزبير بن عبد المطلب - رضي الله عنه -؛ فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته.
وأما قوله - صلى الله عليه وسلم: (لا حلف في الإسلام) ؛ فذاك حلف في تناصر على الظلم والمعصية كأكثر الأحلاف التي كانت تقع بين قبائل من العرب قبل الإسلام، والدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل في حلف مع قوم من مشركي العرب كما سيأتي إن شاء الله، ولا يعقل أن يثني النبي - صلى الله عليه وسلم - على شيء ثم ينهى عنه، فيتعين أن يكون الذي نهى عنه غير الذي أثنى عليه لأن كلامه وحي من الله لا يتناقض.
[كلام صحيح في الجملة، وحاصله أن الحلف المنهي عنه هو ما كان على سنن الجاهلية من الحلف على الظلم والغارة والتناصر المطلق: على الحق وعلى الباطل، وعلى العدل وعلى الظلم سواء، على حد قولهم: انصر أخاك ظالما أو مظلومًا على مرادهم المعروف .. وأما الحلف الجائز في الإسلام فهو الحلف على التعاون على البر والتقوى ونصر الحق وإقامة العدل .. ، وكلام العلماء في ذلك وشروحهم لحديث (لا حلف في الإسلام) وبيان معناه ومعنى ما عارضه من أحاديث وطريق الجمع بينها .. مبحث يطول، وراجع «عون المعبود على سنن أبي داود» ، و «حاشية ابن القيم على أبي داود» (3) ، و «فتح الباري» (4) و «شرح النووي» (5) ، تكفيك إن شاء الله] .
وأما صحة الحلف بين المسلمين والكفار فيدل عليه ما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - في عام الحديبية، وذلك بعد أن وقع الاتفاق مع قريش على هدنة في وضع الحرب بينهما عشر سنين، وكان من بين بنود الاتفاقِ أن
(1) السنن الكبرى للبيهقي (6596، 13080) ، معرفة السنن والآثار للبيهقي (13228 وما بعده) والحديث حسن أو صحيح بمجموع طرقه، وإن رواه البيهقي مرسلا؛ فقد رواه غيره متصلا، كما عند أحمد في المسند (1655) فقد صحح إسناده الأرنؤوط.
(2) مطلع الحديث: (لا حلف في الإسلام .. ) الخ، رواه مسلم (2530) ، سنن أبي داود (2925) ، مسند أحمد (16761) .
(3) عون المعبود وحاشية ابن القيم على سنن أبي داود (8/ 100 - 102) .
(4) فتح الباري (1/ 107) ، (4/ 437) .
(5) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (16/ 81، 82) .