سابعا: إن السعي إلى تكثير سواد المسلمين في وقت مواجهة الأعداء مطلب شرعي لما له من أثر في نفوس المجاهدين من رفع معنوياتهم باستئناسهم بوجودهم وإن لم يقاتلوا وفيه أيضا تخويف للأعداء بكثرة المسلمين.
وعلى كل حال فالكثرة لها دور مهم في ميدان القتال؛ ألا تلاحظ أن الله أوجب على المؤمن أن يثبت لاثنين من الكفار، وأن لا يفر منهما لكن إذا زاد العدد على الضعف بأن يكون المؤمن في مواجهة ثلاثة فأكثر، فله أن يفر، وينسحب، وله أن يثبت حتى ينتصر أو يستشهد، وفي ذلك يقول تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66) } [الأنفال] .
إشكال وجواب عنه:
قد يقول قائل: إن هؤلاء الذين تتحالف معهم «المحاكم الإسلامية» قد يخذلوننا ويتركوننا ويتحولون إلى أعدائنا في وقت نحن بأمس الحاجة إليهم؛ فيُحدث ذلك خللا في داخل صفنا.
الجواب: هذا الاحتمال وارد، إذ لا يعلم الغيب إلا الله، ونحن لسنا مكلفين بعلم ما غاب عنا، وما منا أحد إلا وهو معرض لسوء الخاتمة نسأل الله تعالى السلامة، ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكثر من قوله في دعائه: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) (1) وما علينا إلا أن نفعل ما نقدر عليه من السعي لهذه القضية ودعوة الناس إليها، ولو قدر شخص أو طرف خرج من التحالف، فإن ذلك لا يضير «المحاكم الإسلامية» لأنها وإن كانت تصير جزءا من التحالف لكن يكون لها جهازها الخاص بها، فلا تتأثر بخروج أحد أو دخوله، ولو بقيت وحدها في الساحة فإنها تواصل رسالتها بإذن الله تعالى.
وكم من أناس دخلوا في الإسلام في وقت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وجاهدوا معه ثم ارتدوا على أعقابهم، وكم من أناس كانوا في الحركات الإسلامية، ثم انحرفوا كلية فصاروا علمانيين أو صوفيين خرافيين ينشرون الباطل ويدعون إليه، فهل توقفت مسيرة الإسلام بسبب هؤلاء.
وقبل أيام كانت «المحاكم» تخوض حربا مع القوات الإثيوبية في العاصمة فرأى مسؤولوا المحاكم الموجودون في العاصمة أن يوظفوا شيوخ قبائل هوية من أجل توسيع دائرة الحرب مع الأعداء، لصالح القضية ليتكلموا بلسانهم كواجهة سياسية حتى لا تكون المحاكم الإسلامية وحدها في الساحة، ولا تكون مستهدفة ومنفصلة عن الشعب، وكانت هذه طريقة موفقة في نظر كثير من المراقبين، وتحقق على أيديهم مكاسب كثيرة.
ولم يمنع ذلك أن ينقلب بعض الشيوخ على المشروع، ويدخل في صف الحكومة كما فعل عبد إيمان وعبد الله شيخ حسن، وقد يكون غيرهم في الطريق، نسأل الله العصمة.
ولم يكن ذلك دليلا على خطأ مسؤولي المحاكم لأنهم بنوا الأمور على ما ظهر لهم من الصلاح وحسن النية في هؤلاء الشيوخ، فإذا ظهر من بعضهم عكس ذلك فليس عليهم من جناح لأنهم لا يعلمون ما في الصدور، ولا زالت الأكثرية حتى الآن ماضية في الطريق الصحيح، ولله الحمد.
هذا ما ظهر لي في هذه المسألة؛ فما كان فيها من صواب فمن الله وتوفيقه، وله على ذلك الحمد والمنة، وإن كان فيها خطأ فمني ومن الشيطان، والله أستغفر، وإليه أتوب.
كتب هذه الفتوى وحررها:
الشيخ/ عمر إيمان أبو بكر
النائب الأول لمجلس الشورى ورئيس لجنة المحاكم الإسلامية للتحضير في المؤتمر
(1) سنن الترمذي (2140، 3522) وصححه الألباني.