وليس على الله بمستنكرٍ ... أن يجمع العالَم في واحدِ (1)
احتوى على صحة الديانة واستقامة السيرة وحُسنِ الطوية فهو دائمُ النيّة للخير، وسلامة الصدرِ؛ فلا يحمل الحقد والغلّ على مسلمٍ، ورفعة الأخلاق والشمائل وجميل المعاشرة، وحسن الصحبة، مع زهدٍ في الدنيا وترفعٍ عن سفاسف الأمور وبُعدٍ عن المزاحمة على الزخارف .. مع أخلاق الفروسية والشهامة، وما حباه الله من مواهب القيادة وأسرار مفاتيح السيادة والريادة، وبهاء الطلعة والصورة التي تأسر القلوب.
-رحمه الله - وغفر له .. إنه قدوةٌ من القدوات لما اقتدى بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه - رضي الله عنهم -؛ فقد كان شديد التعظيم للسنة والمحافظة عليها، ولسِيَرِ الصحابة، شديد العناية بالتنقيب عنها والتأمل فيها والتمثّل بها، وله ولوعٌ بسيرة سيدنا عمر بن الخطابِ - رضي الله عنه -.
وقد رأينا أناسًا كثيرين تنكبوا سبيل القصد في الحديث عن الشيخ، وقسطوا في تقييمه والحكم عليه، بسبب تعدد شمائله ومواهبه وتنوع جوانب شخصيته، والحقُّ أن هذا كثيرًا مَّا وقع في حق المشهورين من الزعماء والقادة وسادات الناس، والله عليم حكيم، يحكم بين عباده يوم الدين، وفي هذه الدارِ ولو بعد حين .. وكفى الشيخ فخرًا وشرفًا إن أراد أن يفخر بأنهم يتباهون برؤيته أو السلام عليه أو حضور مجلس معه.
سمعتُ بعضهم يقول: «ابن لادن» لو نظر إليه طفلٌ صغيرٌ لطأطأ رأسه حياءً وخجلًا.
يشيرُ إلى وفور حيائه ولين خلقه وسماحته، يستدلّ بذلك على أنه -أي الشيخ أسامة- بعيدٌ عن العنفِ كما قال، وبعيدٌ عن هذا الفكر العنيف -الجهادي- وأن هذا الفكر كما قال هذا القائل المومَأ إليه دخيلٌ على ابن لادن، وأنه ما حملَه عليه إلا فلانٌ وغيرُه من المصريين وغيرهم!
فقلتُ: سبحان الله؛ رأوْا طرفًا من أخلاق الشيخ وتحيّروا في الجمع بينها وبين بقية أخلاقه وشمائله وصفاته، وعزّ عليهم استيعاب أحواله.
وسمعتُ معلقًا يعلّق على كلمة الشيخ الأخيرة الموجهة إلى الأمة الإسلامية المؤيدة المشيدة بثورات شعوبنا العربية، فيقول ما معناه: «لو علِمَ أعداؤه أي فكرٍ وصل إليه ابن لادن لما أقدموا على قتله» . يريد هذا المعلّق أن ابن لادن قد آلَ إلى فكرة العمل السلميّ، فقلتُ: لعل الأعداء فهموا ابن لادن ودرسوه واستوعبوا خِلاله أكثر من هذا المعلّق الذي أضاء له جانبُ الرحمة واللين والرقة
(1) قاله: أبو نواس؛ في مدح الفضل البرمكي، انظر: ديوان أبي نواس ط 1884م (ص 22) .