بهذه الفلسفة أو القضايا الكلامية مشروعا وعملًا صالحًا إن شاء الله، ومطلوبًا نوعَ طلبٍ، والقائم به مأجور حيث قصد نصر الدين والدعوة إلى الله والذبّ عن دين الله والردّ عنه.
فنحن أمة إسلامية، محور اجتماعها وكينونتها هو الدين وهو «الإسلام» ؛ فلا وجود لهذه الأمة بدون الإسلام، لأنه قبل الإسلام وبعده -حين تتركه- تتحول كما هو مشاهد إلى أمم أخرى: أمة عربية، أمة تركية، أمة باكستانية، أمة كذا وأمة كذا ..
وأفضل تجلٍّ لهذه الأمة بالاتفاق هو عصرها الأول، وهو جيل الصحابة؛ الجيل الفريد الذي ربّاه الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصنعه بيده .. ولو أردنا تحديدًا دقيقا لقلنا إنه فترة العهد النبوي المدني وعهد خلافة الخلفاء الراشدين، وهناك فترات أخرى مقاربة لها بعد ذلك متقطعة.
هذا شيء مهم إذا اتفقنا عليه، فإنه يحلّ لنا كثيرا من المسائل.
أما من لا يعتقد ذلك؛ فالنقاش معه سيكون فيه أولًا.
هذا الجيل أو تلك الأجيال لم يعرفوا هذه الفلسفات حول الحضارة والفكر والثقافة والفنون والآداب -بمعناها المعروف عند المؤرخين- وما شابه ذلك!!
وإنما عرفوا فقط: الدين ولا شيء غير الدين، وأن هذه الدنيا دار ممر وفناء، وزينة زائلة ومتاع، وهي دار اختبار وامتحان، ومطلوب من العبد أن يتجافى عنها -في الجملة، وللمسألة تفاصيل- وأن يكون فيها كعابر سبيل، وأن يكون كراكب استظل تحت شجرة يوشك أن يتركها ويرتحل، ومطلوب منه فيها أن يعبد الله كما أمره الله، وخلاصته اتباع رسوله -صلى الله عليه وسلم-ظاهرًا وباطنًا.
وأنت إذا بحثت عن موقع العمارة والمدنية والترف والبناء والغنى وجمع الأموال والآداب والفنون، وتصنيف هذه الأشياء وتحريرها وتدقيقها والغوص في بحارها والاعتناء بها، والثقافات والمقارنة بينها وو .. مما يعتني به العالَمون اليوم، لم تجد له مكانًا عندهم وفي اهتمامهم وسعيهم ولا اعتبار له إلا بقدرٍ عرضيّ إن وُجِد، ينتظمونه انتظامًا وهم سائرون في طريقهم إلى الله تعالى ..
وهم قد فتحوا البلاد شرقًا وغربًا، ولم ينقضِ عصر الصحابة حتى دمّروا أعظم حضارتين في ذلك الزمان وأعظم دولتين: الفرس والروم، وملكوا أرضهما أو معظمها وحازوا كنوزها وظهوروا عليهما أيما ظهور، ومع ذلك لم يهتموا بحضارةٍ كانت لهم أو ثقافةٍ أو مدنيةٍ، ولم يرفعوا إليها أبصارهم ولا وجّهوا لها عناية .. بل قالوا بلسان حالهم وقالهم بما لا غموض فيه: إنهم قد أغناهم الله عن معظم ذلك، وأن الله قد أكرمهم بما هو أتم وأكمل من كل تلك الحضارات، وبما هو أرفع وأعزّ وأكرم وبما لا يحتاج معه صاحبه إلى غيره في الجملة.