لم يُبق فيه الشَّوقُ إلا ومضةً ... عذريةً جادت بها العينان
وبقيَّةً من أدمعٍ لم تُمتَهن ... أبدا .. ولم يُشرِقْ بها خدَّان
محبوسةً في القلب فاضت دفعةً ... كدمِ الشهيدِ هناك أحمرَ قاني
مهما أطالَ الظالمون عذابَه ... فعذابُ حُرِّ النفسِ غير جبان
لا موتَ في موتِ الشهيدِ .. وقتلهُ ... نصرُ الحياةِ .. وعمرهُ عمران
هذا الكتابُ إليك سُطِّرَ يا أبي ... من خاضعٍ للواحدِ الديَّان
أُمْليه أثْبَتُ ما تكون جوارحي ... وأبُثُّ أرْبطُ ما يكون جناني
في وقفةٍ للحق يسري في دمي ... رَيْعَانُها ويمورُ في وجداني
ما قام غيرُ المسلمين لمثْلِها ... أبدًا ولا اشتدَّتْ بها كفَّان
ولربما أطَّ الزمانُ مخافةً ... من ثِقلِهَا .. وتأوَّه المَلَوان
أبتَاه ما أحلى السكينةَ كلما ... زاد العذابُ تزيدُ في الإسكان
وأقولُ مات الَّليلُ!! إلاّ ليلةً ... بقيت كليلِ الحرِّ في الليمان
ما بينها والصُّبحُ -غير الصُّبحِ- وا ... شوقاهُ للصُّبحَ الرفيقِ الداني
بنقائهِ وبهائهِ وضيائهِ ... وجلالهِ وجمالهِ النوراني
روحي وما كانت إليه مُشوَّقةً ... آن الأوان .. غدًا سيلتقيان
فرَّ الأسيرُ إلى أمانِ بلادهِ ... ومشى على أرضٍ بغيرِ هوان
فاليوم لا استضعافَ لا حذرَ ... من الدنيا .. ولا خوفَ من الخذلان
طهَّرتُ أثوابي من الدَّنسِ الذي ... ألصقتُه في صُحبةِ الشيطان
ونفضتُ عنِّي الأرضَ لا أحبابُها ... رحبي ولا خلانُها خلاني
في مسجدٍ شيَّدتُهُ في مهجتي ... عطَّرتُهُ بالمسكِ والريحان
وحلفتُ حين بنيتُه .. فأبرَّني ... ربِّي ولم تحنثْ إذًا أَيْمَاني
ألا يمرَّ عليه إلا طاهرٌ ... مما يُحبُّ وخالصُ الإيمان
وقفٌ على الإسلامِ طُهرُ ترابِهِ ... وأساسُهُ وبناؤهُ .. والباني
أبتَاهُ في قلبي مشاهدُ من رؤى ... بدرٍ ترفُّ وبيْعةُ الرضوان
وأعيشُ ساعاتٍ كعمرٍ كاملٍ ... ليست ككلِ دقائقٍ وثواني
مستصحبًا للمسلمين وواقفًا ... معهم أُكلِّمُهم بكلِ لسان
من أول الإسلامِ لا أرضٌ تُفرِّقُنا ... ولا زمنٌ من الأزمان
زنزانتي روضٌ إذا ما زارهَا ... غيثُ الهدى أو زارَها إخواني
أبتَاهُ حتَّام التنقُّلُ والسُّرَى ... في موحشٍ قفرٍ من العمران
أبتَاهُ ما تلك الحياةُ نعيشُها ... عيشَ الأسيرِ ومرتعَ العُبدان
غاياتهم ملءُ البطونِ وقولُهم ... في الحلقِ في سجنٍ من الكتمان
أرأيتَ كيف يسوقُنا جلادُنا ... سوقَ الرعاءِ غرائبَ القطعان
ويسيرُ جيش ُ البغي فوق جماجمٍ ... منَّا وفوق كرامِة الإنسان
أنا لا أرى عيشَ الذَّليلِ بأرضِهم ... إلا اليدَ اليُمنى من الطغيان
يبقى مع الباقين في استضعافِهم ... ويَعُضُّ في غيظٍ على الأسنان
أنا يا أبي أعلنتُ أولَ هجرتي ... فرفعتُ للطاغي يدَ العصيان
قلبًا صبورًا زال عن أدرانهِ ... متيممًا أرضًا بلا أدران
ومضى يَغُذُّ السيرَ يبلغُ شَعْفَةً ... أو واديًا من تلكم الوديان
إن كان سيفي اليوم ليس بقاطعٍ ... أو كنتُ صفرَ الكفِّ من أعواني
فلقد دفعتُ بكل ما ملكتْ يدي ... وتركتُ للجبَّار ما أعياني
وحفظتُ محضَ الحقِ بين جوانحي ... وأحطُتهُ بشغاف قلبي الحاني
وأبحتُهم جسمًا نهايةُ أمرِه ... عندي غدًا واليوم يستويان
ظهرًا كعُرجُون النخيلِ وأضلعًا ... ويدًا مقرَّنةً بها الساقان
فليستبيحوا ما استباحوا من ... فتى جَلدٍ وصبَّارٍ على الأقران
متقلِّبٍ في الجمرِ مكويٍّ ... ومطبوعٍ على الجنباتِ بالنيران
ماذا جنوا إلا دمًا سفكُوه ... لا .. أما الفؤادُ فليس في الإمكان
أرأيتَ يا أبتاهُ لو أن الذي ... ألقاهُ من إيذائهم .. أرواني؟
وللقصيدة تتمة؛ فهي طويلة نسبيا لكن هذه أول أبياتها، وانظرها كاملة في: ديوان شكري مصطفى.