فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 1908

ناحيتهم مَنْ يليهم من الكفار، لينشروا دين الله تعالى.

قال الطاهر بن عاشور - رحمه الله - في تفسيره: «كان جميع بلاد العرب خلَص للإسلام قبل حجة الوداع؛ فكانت تخوم بلاد الإسلام مجاورة لبلاد الشام مقرّ نصارى العرب، وكانوا تحت حكم الروم؛ فكانت غزوة تبوك أول غزوة للإسلام تجاوزت بلاد العرب إلى مشارف الشام ولم يكن فيها قتال ولكن وُضعت الجزية على أيْلَةَ وبُصرى، وكانت تلك الغزوة إرهابًا للنصارى، ونزلت سورة براءة عقبها؛ فكانت هذه الآية كالوصية بالاستمرار على غزو بلاد الكفر المجاورة لبلاد الإسلام بحيث كلَّما استقر بلد للإسلام وكان تُجاوره بلاد كفر كان حقًا على المسلمين غزو البلاد المجاورة، ولذلك ابتدأ الخلفاء بفتح الشام ثم العراق ثم فارس ثم انثنوا إلى مصر ثم إلى إفريقية ثم الأندلس؛ فالجملةُ مستأنفة استئنافًا ابتدائيًا تكملة للأمر بما يتعين على المسلمين في ذيول غزوة تبوك» (1) اهـ

أو نقول: ما في الآية هو الأصل، وهو حال الاختيار، وإن شئت فقل: حال استواء الأمر في البدء بهذا أو بهذا، فإذا وُجِد مرجّح للبدء بأيهما فيعمَل به، وبعبارة أخرى فـ {الَّذِينَ يَلُونَكُمْ} عمومٌ قابل للتخصيص بما تدلّ الأدلة على اعتباره من تقديم أو تأخير أو مانعٍ، والله أعلم

فإذا كانت حاجة المسلمين بحسب ما يعطيه النظر للإسلام والمسلمين (للمصلحة الدينية والأخروية أولا، ثم الدنيوية) داعيةً إلى البدء بالعدوّ الفلاني لأنه الأسهل؛ فنقدر عليه ونتقوى بأخذه، ويكون عونًا لنا على ما بعده، وإلى غير ذلك من الأسباب، وتأخيرِ غيره لأنه قويّ ربما أنهكنا البدء به ولأن أسباب الغلبة عليه ليس متوافرة كما هي في الأول؛ فإننا نبدء بذلك الأول المذكور وهو الأبعد، وليس في القرآن والسنة ما يمنع ذلك.

بل هذا هو مقتضى السياسية الشرعية التي مبناها على تحقيق المصالح الشرعية الأخروية والدنيوية ما أمكن، ودفع المفاسد ما أمكن، بشرط كون ذلك كله في حدود ما أذن الله فيه، بمعنى ألا يخالف شرعه ولا يتعدى الحدود التي وضعها - عز وجل -.

قال ابن قدامة في المغني: «مسألة قال: ويقاتل كل قوم من يليهم من العدو، الأصل في هذا قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} ، ولأن الأقرب أكثر ضررا وفي قتاله دفع ضرره عن المقابل له وعمن وراءه، والاشتغال بالبعيد عنه يمكنه من انتهاز الفرصة في المسلمين لاشتغالهم عنه. قيل لأحمد: يحكون عن ابن المبارك أنه قيل له: تركت قتال العدو عندك وجئت إلى

(1) التحرير والتنوير (11/ 62، 63) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت