{فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) } ؛ نعم فرّ نبي الله موسى من فرعون عندما خاف من شرّه ومكره، وفرّ نحوًا من فراره هذا أنبياءُ آخرون وصالحون أولياء لله وتركوا أوطانهم وهاجروا لمّا رجمهم قومهم وأخرجوهم وآذوهم وعذّبوهم وتهدّدوهم!!
وللأسف اليوم .. رأينا بعض المشايخ وممن اشتهر بالعلم يبقى حتى يقبض عليه الطاغوت ويسجنه ويهينه ولا يفرّ ولا يهاجر يقول: لا أفرّ أبدًا ويلبّس عليه الشيطان ويتوّهم أن هذا الفرار مسبّة، بل والله بقاؤك في قبضته -وقد كنت قادرا على الفرار منه- هو المسبّة والعار، وهو الغبن والخسار.! فسبحان من قسم الأفهام بين الناس! وسبحان من قسم العزائم والإرادات!
{وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22) } وهذا على الأشهر من أقوال المفسّرين على تقدير همزة الاستفهام أي: أَوَتلك نعمةٌ تمنّها عليّ؟ والمعنى: أتمنّ عليّ يا فرعون بأن عبّدت بني إسرائيل لك واستعمرتهم وقهرتهم وسلِمْتُ أنا من ذلك بسببٍ قدريّ جعله الله؟ أيُّ منّة لك علىّ في ذلك؟ ثم ما قيمة هذه المنّة في مقابل إجرامك العظيم في حق هذا الشعب المسكين الفاضل بني إسرائيل؟
وهكذا فراعنة اليوم: يتبجّحون بذكر مننهم على شعوبهم وعلى الدعاة والمجاهدين والمخالفين لهم: ألم نفتح المدارس والمساجد والجامعات والمستشفيات؟ وكذا وكذا؟ أتخرج أيها «الإرهابيّ» على الدولة التي تعبتَ عليك وأنفقت، وعلّمتك وربّتك حتى كبرت وصرتَ مهندسًا وطبيبًا وكذا وكذا؟
ونسوا أن هذا شيء لا منّة لهم فيه؛ لأنه واجب عليهم أن يفعلوه، زد عليه أن فعلهم إياه لم يكونوا ينوون به الخير غيرَ أن الله كادهم، زد عليه أنه إذا قُوبلَ بظلمهم وفسادهم وكفرهم وحربهم للدين والطهر والفضيلة ونصرهم للرذيلة تلاشى واضمحلّ ولم يعد لذكره مسوّغ بل صار كالقيمة المهملة في علم الحساب!! {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) } ؛ إلى هنا انقطع اللعين ولم يبق له حجة يجادل بها وأدرك أنه عديم البرهان فاقد للشرعية فلجأ كعادة كل الفراعنة إلى التهديد: {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) }
فرعون زمان كان أهون من فراعنة اليوم، على الأقل ذلك حاجج وناظر وأعطى لخصمه فرصة لإبراز حججه وإثبات دعواه، أما فراعنة اليوم فقد استفادوا من دروس الفراعنة السابقين: لا مناظرة ولا حوار ولا مفاوضات مع الإرهابيين والمارقين!!
قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ