بعيد عن نيل الحق، بعيد جدا.
الحق عزيز ولا يعطيه الله تعالى إلا لمن خضع له وخشع واستكان وانكسر واتقى الله واجتهد في تقواه، ليس لعبًا ولا هزلًا هو!! وإنما هو الجدّ والفصل، والله المستعان.
وجماع الأمر: أن يعلم الإنسان أنه عبدٌ لله مكلّفٌ مبتلىً بهذا الاختلاف وهذه المسائل؛ فلينهض في عبادة ربه وليقم بواجب العبودية كما يحب الله ويرضى، وليطلب العلم ويسأل ويبحث عن رضى ربه في كل مسألة، وفي كل حركة وسكنة وفعلٍ وتركٍ.
إن الدين مبناه على التكليف والابتلاء {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ} [الإنسان: 2] ، والنجاحُ في القيام بالتكليف مبناه على التسليم لله تعالى، ومعرفة أنه أرادنا للآخرة لا للدنيا، فالآخرة هي دار القرار وهي الدار المقصودة، والدنيا دار ممر وابتلاء وامتحان واختبار {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} [الأنفال: 67] ، ومثال العبد في هذه الدنيا هو كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح» (1) .
وقال لعبد الله بن عمر كما في صحيح البخاري: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابرُ سبيل» (2) .
فالله إنما خلقنا لعبادته وحده لا شريك له، وبعث لنا رسلًا وأنزل لنا كتبًا، وعرّفنا بنفسه - عز وجل - وبيّن لنا كيف نعبده وهدانا السبيل وبين لنا النجدين، وما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا يقربنا إلى الجنة إلا أمرنا به ولا شيئا يقربنا من النار إلا نهانا عنه وحذرنا منه وخوّفنا من الوقوع فيه، وشرح لنا وسائل الهداية وأسباب التوفيق؛ فلله الحمد والمنه والفضل.
ونسأل الله أن يوزعنا شكر نعمه ويهدينا ويسددنا، إنه نعم المولى ونعم النصير، لا حول ولا قوة إلا به.
فهذه أهم الأصول التي من تمسّك بها أفلح في مسائل الخلاف وصار دائرًا بفضل الله بين الأجر والأجرين، ولم أقصد استيعاب أحكام الخلاف وفقهه وآدابه، وقد كتب فيه أهل العلم وصنّفوا وإنما المقصود ذكر أصول تعصم من الفتنة في مسائل الخلاف بإذن الله تعالى وحوله وقوته.
فعليك أخي المسلم بتدبره وتمثّله واجعله نصب عينيك وزد عليه من التفكر والتأمل وطلب العلم
(1) سنن الترمذي (2377) ، سنن ابن ماجه (4109) وصححه الألباني.
(2) صحيح البخاري (6416) .