يقتضي ألا تقال ..
أما أن يقال إنه يطعن في الأنبياء، وهكذا أيضا بهذا الإطلاق والتعميم .. فهذا والله البهتان المبين.!
وكذلك ما قيل عن طعنه في الصحابة رضوان الله عليهم؛ فهو إطلاق وتعميم كاذب، بل بهتان مبين أيضا .. لكن قد يقال إنه تكلم بكلام غير لائق ودخل مدخلا غير محمود في الكلام على الصحابة والفتنة التي وقعت بينهم - رضي الله عنهم -، فتكلم في بعض الصحابة بما ظنه هو من باب النقد والمدح والذم لبعض الأشخاص، وما توهّمه من أن ذلك نوعٌ من التمحيص لبعض التاريخ، فتكلم ببعض كلام خاطئ في معاوية وعمرو بن العاص، وشيء آخر في أمير المؤمنين عثمان - رضي الله عنهم - جميعا، وأخطأ في ذلك، غفر الله له .. وزلّ وضلّ .. ! فنسأل الله أن يسامحه ويعفو عنا وعنه.
وهذا الخطأ أعني الكلام في بعض الصحابة بسبب ما وقع بينهم - رضي الله عنهم - من الفتنة وغيرها، قد وقع فيه قبلَ سيد قطب من السلف والخلف رجالٌ من أهل العلم، فكان عامّة العلماء من أهل السنة - رحمهم الله - دائما يبينون خطأهم ويحذرون من زلتهم، ويعتذرون للفاضل منهم، فهو خطأ يردّ بلا شك، لكن لا يقتضي الطعن في دين صاحبه أو إهداره، لأن كلامه في بعض الصحابة لم يكن طعنا في دينهم وبغضا لهم وعداوة دينية معاذ الله، بل لأسباب أخرى سياسية أو ما شابهها، وعلماؤنا فرّقوا بين المقامين تفريقا واضحا ودلائله ظاهرة، فراجعه في «الصارم المسلول» (1) وغيره من كتب أهل العلم، ثم هو كلام في آحاد قليلةٍ بسببِ توهّمه هذا المتكلم، لا في جملة الصحابة ولا أكثرهم، كيف وهو معظّم لهم أيما تعظيم ويصرح في كل موطن بما معناه أنهم خير خلق الله بعد الأنبياء ويظهر محبته الفياضة لهم، ويدعو للاقتداء بهم، ويكفيك «الجيل الفريد» (2) ، و «الظلال» مليءٌ بذلك بحمد الله.
وهل مثل من يقول إن سيد قطب يطعن في الأنبياء وفي الصحابة إلا كمثل الرافضة لعنهم الله القائلين: إن الصحابة طعنوا في النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وخانوه وغدروا به لأنهم فعلوا كذا وكذا -مثلا: تركوا تجهيز النبيّ - صلى الله عليه وسلم - تكفينًا ودفنًا، وانصرفوا لعقد الاجتماعات للإمارة والمُلك! - مما يتوهّمه هؤلاء المارقون الجاهلون الكاذبون طعنًا وخيانة؟!.
فقارن واعتبر .. وهكذا نقول في سائر أخطائه وأخطاء كل فاضل من أهل العلم والفضل والجهاد ..
(1) عقد شيخ الإسلام ابن تيمة في: الصارم المسلول (ص 586) فصلًا في أحكام سب الأصحاب - رضي الله عنهم - بعد بيان حكمه تفصيلًا، قال فيه: «وأما من سبهم سبًّا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم مثل وصف بعضهم بالبخل أو الجبن أو قلة العلم أو عدم الزهد ونحو ذلك فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من أهل العلم» .
(2) لعل الشيخ يقصد مقالة: «الجيل القرآني الفريد» (ص 11 - 19) ، ضمن رسالة: «معالم في الطريق» .