فهرس الكتاب

الصفحة 1552 من 1908

الله لكن يقولها عن تحقيق، وإن قالها يقولها عن فعل عرف أن صاحبه يستحق أن يحب في الله، والبغض أشد.

«وها هنا أمر خفي ينبغي التفطن له وهو أن كثيرًا من أئمة الدين قد يقول قولًا مرجوحًا ويكون فيه -هو هذا الإمام- مجتهدًا مأجورًا على اجتهاده فيه موضوعًا عنه خطؤه فيه -مغفور له- ولا يكون المنتصر لمقالته تلك بمنزلته في هذه الدرجة» يعني عندنا إمام قال قولًا ربما يكون خطًا في نفس الأمر، أي في الحقيقة هذا القول خطأ لأن هو هذا الإمام العالم مجتهد مغفور له محطوط عنه وزره ولكن هذا ما أدى إليه اجتهاده ليس ملامًا في ذلك وهو معذور بل مأجور لكن المتبع له ويكون المنتصر لمقالته من الناس، من الأتباع، مثلًا: الإمام مالك قال قولًا، يأتي شخص منتصر للإمام مالك والمالكية يبدأ ينتصر لهذا القول، فمالك قال هذا القول اجتهادًا وهو مأجور محطوط عنه وزره، مغفور له ومجتهد لم يصب في هذه المسألة في نفس الأمر فله أجر واحد، لكن المنتصر لمقالته لا يكون بتلك المنزلة؛ لأن كثيرًا من الناس يغلب عليهم الانتصار لمذهبهم، لمذهب إمامهم، لمذهب بلدتهم لما عليه قومهم واختيارهم وهكذا ومشايخهم ومدرستهم.

«ولا يكون المنتصر بمقالته تلك بمنزلته في هذه الدرجة؛ لأنه قد لا ينتصر لهذا القول إلا لكون متبوعه -الإمام الذي اتبعه هو- قد قاله؛ بحيث لو أنه قد قاله غيره من أئمة العلم والدين لما قَبِله ولا انتصر له ولا والى من يوافقه ولا عادى من خالفه، وهو مع هذا يظن أنه إنما انتصر للحق بمنزلة متبوعه وليس كذلك، فإن متبوعه إنما كان قصده الانتصار للحق، وإن أخطأ في اجتهاده -فخطؤه معذور فيه-، وأما هذا التابع فقد شابَ انتصارُه لما يظن أنه الحق إرادة علو متبوعه وظهور كلمته أنه لا ينسب إلى الخطأ، وهذه دسيسة تقدح في قصد الانتصار للحق؛ فافهم هذا فإنه فهم عظيم والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم» اهـ.

فالمقصود: الانتصار للمقالات وللمذاهب وللآراء وللمدارس ولغيرها؛ فالإنسان ينتبه أشد الانتباه والعلماء دائمًا ينبهون على هذا، والعبارات التي عثرنا عليها أبرزناها، وإلا فكلام العلماء في هذا كثير كلام المتقدمين والمتأخرين، ينتصر الإنسان أحيانًا لقول أو لرأي معين أو اختيار معين، لا لكونه هو الحق في الحقيقة، لكن لكون متبوعة إمامه قال به أو جماعته، نحن الآن عندنا الجماعات، هذا اختيارها وتقول بهذا القول، الشيخ أسامة قال كذا والشيخ فلان قال كذا ونحن ومشايخنا ... ! لا، أنت تنتصر للحق وتكون مع الحق وإذا نصرت قولًا يجب أن تفتش وتسأل: لماذا تنصره؟ لماذا تؤيده؟ لماذا تفضله؟ لماذا تختاره؟ لماذا تمشي عليه؟ فهذا شيء مما يتعلق باتباع الهوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت