فهرس الكتاب

الصفحة 1555 من 1908

لكن الله - سبحانه وتعالى - أخبر أنها آيات لهؤلاء الناس {لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} قالوا: قصرها عليهم؛ لأنهم هم المنتفعون بها، هي آيات، هي في نفسها آية، آية من آيات الله.

معنى الآية: علامة؛ يعني علامة دالة على الله - سبحانه وتعالى - أو على مراد الله - عز وجل -، لكن لا ينتفع بها إلا هذا الصنف من الناس {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5) } [إبراهيم] .

في سورة سبأ -مثلًا- بعد أن قص - سبحانه وتعالى - قصة قوم سبأ: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} قيل أنها الشام {قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ} يحكي الله - سبحانه وتعالى - ما أنعم عليهم من النعم العظيمة، من الرغد في الحياة الدنيا، وحاصلها: بلدة طيبة، ورب غفور.

رب راضي عليكم وأنتم مُبحبحين! نعمة كبيرة جدًا كانوا فيها، وساق بعض تفاصيلها: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ} سهلة وميسرة، وكل شيء ممكن حتى الخدمات والمواصلات، {سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18) } أمن! نعمة الأمن كذلك، الناس تمل حتى من النعمة، ويتمردوا ويكفرون، ولا يُقدرون النعمة ولا يشكرون، ولا يصبرون، لاحظ قلة الصبر: {فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} ما هي الأسفار هذه السهلة والميسرة!! وفي قراءة {بعِّد} وكلاهما معنى واحد: باعد وبعَّد، بعَّد الله وجه من النار، {وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} لذلك، وهذا حقيقة الظلم؛ {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} مزقهم الله شذر مذر حتى صاروا يضرب بهم المثل، فيقال: تمزقوا أو تشتتوا أو تفرقوا أيادي سبأ .. هكذا عن العرب؛ فصاروا تاريخًا يتحدث بهم الناس، يتحدثون عن قصصهم ويضرب بهم المثل، {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} تعقيب كله وتذييل، تعقيب أي: عادة القرآن أنه يختصر العبرة ويعطي الحكمة والفائدة والعبرة، والتذييلات هذه مهمة جدًا ولها فقه.

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19) } صبّار = فعّال، وهذه إحدى صيغ المبالغة، أي كثير الصبر، وكذلك شكور = فعول، صيغة مبالغة من الشكر، كثير الشكر، فمعناها إن الآيات هذه ما يستفيد منها ولا تكون آيات على حقيقتها بالفعل علامات دالة ومنبهة ومفيدة للعلم إلا لهذا الصنف من الناس: من حقق الشكر على أحسن مستوى، وحقق الصبر على أحسن مستوى.

هؤلاء الناس ظلمهم الذي ظلموه أنفسهم من نوع غريب، كما تلاحظ ناس مبحبحين في نعمة كبيرة ملوا من هذه النعمة! كما ملَّ بنوا إسرائيل من المن والسلوى فقالوا: فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت