إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5) [الممتحنة] ، وفي قصة موسى وهارون: {فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) } [يونس] .
في آية أخرى: {رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [يونس: 88] هذه الآية بعدها، نرجع إلى الخلف في ترتيب المصحف؛ فأصعب شيء الرجوع إلى الخلف.
يقولون: الحجاج كان يتحدى -والحجاج مشهور في التاريخ أنه كان عنده قوة في حفظ القرآن عجيبة، وعنده أمور أخرى عملها في القرآن مثل: التحزيب والشكل والنقط؛ كلها تنسب إليه، وكان معتنيًا بالقرآن على كل حال، هو جبار وضال- فمرة كان يختبر في الناس كثيرًا بهذ الأمر؛ أن يأتي أحدهم بالآية التي قبلها وليس التي بعدها.
وحتى عندنا قديمًا حضرت أكثر من مرة المشايخ عندنا في الكتاتيب كانوا يعملون في هذا الأمر مسابقات؛ تأتي بالآية التي قبلها وليس التي بعدها، هذه يتميز فيها الحفاظ المتقنون.
فالحجاج قال لرجل: ائتي بالذي قبل آية الزمر: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر: 9] ، فقال له: {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8) } [الزمر] (1) .
قالوا: فلم يسأل أحدًا بعده.
وعودا لموضوعنا؛ فالآية التي قبلها قوله - سبحانه وتعالى: {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83) } [يونس] .
وفي سورة الممتحنة آية شبيهة بها فيها: {وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5) } [الممتحنة] .
فالله - سبحانه وتعالى - في الموضعين علمنا ولقننا أن ندعوه ألا يجعلنا فتنة للذين كفروا، وألا يجعلنا فتنة للقوم الظالمين على كل حال، وآية يونس فيها إشارة إلى أن الفتنة تضر الظالمين، وآية الممتحنة فيها القوم الكافرين؛ فينتبه الإنسان لهذه المعاني؛ لأن الفتنة إذا جاءت تضر الإنسان إذا لم يكن محققًا للحق؛ لم يكن معتصمًا بالله، أما الذي يعتصم بالله وبنور الله وبحبل الله ويلجأ إلى الله - سبحانه وتعالى - ويحقق الحق وينصف ويقسط؛ فينجو -إن شاء الله- من الفتن، الفتن العامة التي تصيب الناس ولا مناص منها، وهي تحصل كثيرًا سواء -مثلما قلنا- كانت فكرية أو عملية، وإلا فالأصل أن المطلوب من الإنسان أن يهرب
(1) انظر: وفيات الأعيان (2/ 40) قال: «وكان الحجاج كثيرًا ما يسأل القراء، فدخل عليه يومًا رجل فقال له: ما قبل قوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ} . فقال: {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} ، قال: فما سأل أحدًا بعدها» .