ومعنى (إلا ما أشرب من هواه) أن هذا الذي يعرفه أُشرب من هواه، أي إلا الذي أشربه هو وتشربه من هوى نفسه فقط؛ هذا الذي يقبله هو الهوى فقط؛ فيصبح متبعًا لهواه اتباعًا خالصًا.
وينبغي أن يُعلم أن قلوب العباد -والإيمان في القلب، والعقل واللب هو القلب كما قلنا- قلوب العباد تعرض عليهم الفتن؛ فمنهم الذي يسلم ومنهم الذي يتأثر بالفتنة ويمشي؛ سواء كانت هذه الفتنة عقلية علمية فكرية منهجية مقالية تتعلق بالتصورات والأحكام، أو كانت فتنة عملية: عمل، عراك بين الناس وفتن ومرج وهرج وحروب وهكذا؛ فلما تأتي الفتن ينقسم الناس، كيف ينقسمون وبناء على ماذا؟ تأمل في هذا وانظر فيه تجد أسبابًا معينة؛ يظهر -والله أعلم- من دلالات القرآن أن الفتنة في الغالب تضر الظالمين، قال الله - سبحانه وتعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) } [الصافات] في ماذا تكون الفتنة هنا؟ في شجرة الزقوم: {أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (67) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (68) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70) } [الصافات] يظهر من إشارات القرآن ..
فيظهر من إشارة القرآن أن الفتنة تضر الظالمين ضررًا خاصًا، ومعنى ذلك أنه يجب علينا أن نحذر من الظلم؛ فأكبر شيء يجعل الفتنة تضرنا هو أن نكون في موضع الظالم، كما قلنا أن من أسباب الهداية: تحقيق الحق، والقيام بالقسط، والعدل والإنصاف، وأن لا نظلم، ونبتعد عن الظلم.
الفتنة تضر الظالمين، والرجل إذا أتى الإنسان الظالم الذي لا يحق الحق ما يقسط ولا ينصف ولا يقوم بالقسط تضره الفتنة، لكن لو حقق الحق؟ في المثال عبد الله بن أبي السرح لو حقق الحق وأنصف، لكان تريث وتثبت وقال: لا، لعلي أنا قلتها فاتفق بطريق الاتفاق والمصادفة، الحمد لله وافقت ما عند الله، وافقت ما نزل .. فأي عيب في هذا؟ ما فيه عيب، حقق الحق وأنصِف، قد يكون كذا لها وجه، محتملة كذا، ومحتملة كذا.
طيب، أنت لماذا رجحت هذا الاحتمال الذي رجحته؟ أين نسفت النبوة؟ هذا محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ نبوته، وكماله، وجلالة قدره، وعظمته، وهذا الصدق، وهذه الأمانة وهذا العقل، وهذه البلاغة وهذه الفصاحة وهذه الكمالات العظيمة المبهرة للألباب أين نسفتها كلها بشيء مثل هذا؟!
فعليه أن يحقق الحق، لكن لو حقق الحق فلا تضره الفتنة، لكنه ظَلم فتضره الفتنة {إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) } والآية التي ذكرناها قبل قليل تكررت في موضعين: رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا