المهم حصلت له فتنة فيما روي وقيل -وقد كان هو من كُتَّاب الوحي- فيقال في هذه الرواية أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما نزل عليه آية {فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون: 14] فيُملِي عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- هكذا {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} فقال هو -عبد الله بن السرح- لما تعجب من هذا السياق قال من نفسه: تبارك الله أحسن الخالقين! فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اكتبها هكذا نزلت: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ(14) } ) فحصلت له منها فتنة؛ فلما مشى وكفر وارتد، قال: أنا الذي أملي عليه القرآن، قلت له هذه الآية فقال لي: اكتبها هكذا! (1) فكانت هذه فتنة عظيمة جدًا له.
لكن نحن نقول أنه بالتأكيد كانت توجد أشياء أخرى وليس هذه فقط؛ هذا في الغالب.
الفتنة تضر من؟ غالبًا الذين تقع لهم الفتن يكونون أصلًا عندهم خلل مسبق لكن خفي؛ فلا تكون الحادثة التي فتنته هي الوحيدة، لا يكون مثلا رجل قوي الإيمان واليقين، وجاءت حاجة أسقطته! لا، بل تكون «قشة قصمت ظهر البعير» ، الغالب أنه توجد عنده ظروف معينة، كأن يكون الكفار ألقوا له شبهات قبلها أو شيئا من هذا القبيل؛ فلما مشى هناك قال: أنا الذي أمليت عليه، وأنا الذي قلت له، ما أقوله يكتبه وهكذا.
حاشا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، بآبائنا هو وأمهاتنا (، لكن هي الفتن لما تقع للإنسان.
فنريد أن نقول: الفتن تضر من؟ دلت الأدلة -والله أعلم- بحسب ما يظهر من الاستقراء من القرآن والسنة واستفادةً من قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المشهور الذي في الصحيحين: (تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا، فأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نقطة بيضاء) فالمقصود أن الفتن تعرض على القلوب كعرض الحصير، وهذا تمثيل بالتدريج؛ نقطة نقطة، كلها محكات؛ فالقلب الذي ينكر الفتنة يكون أبيضَ سالمًا، والقلب الذي يشرب هذه الفتنة ويقبلها تنكت فيه نقطة سوداء، كل مرة تأتي له الفتن فتنقط نقطة سوداء حتى يصبح القلب أسودَ، ولما يسود القلب يتكون عليه نوع من الران، ثم إن هذا الران وهذا الغين يتبعه الختم والطبع، والعياذ بالله، فيصبح القلب ماذا؟ وصفه النبي -صلى الله عليه وسلم- في آخر الحديث بأنه (كالكوز مُجَخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه) (2) فيعيش هذا الرجل ولا يقبل الهدى.
(1) هذا الخبر بهذا التفصيل ذُكر في عدة تفاسير من غير إسناد، كما في: النكت والعيون للمارودري (2/ 144) ، وما جاء مسندا فهو من المراسيل بأسانيد ضعيفة، وقد قال ابن عاشور معقبا على هذا القول في: التحرير والتنوير (7/ 375) : «هذا لا ينثلج له الصدر؛ لأن عبد الله بن أبي السرح ارتد بعد الهجرة ولحق بمكة، وهذه السورة مكية» فالقصة ضعيفة كما ذكر الشيخ عطية - رحمه الله -.
(2) صحيح مسلم (144) .