حسب ما يناسب النخل؛ يعرف ذلك أهل النخل، ونحن بالنسبة لنا ومناطقنا لا نقص عراجين النخل، بل ننقي النخل عدة مرات في الموسم، في بعض المناطق نخيلها يقصوها قصة واحدة، على كل حال هذا الجذاذ، وقبل الجذاذ يأتي الخرص، وهو أن نأتي بواحد خبير يعرف النخل؛ فينظر في النخيل أربعين نخلة أو خمسين نخلة، ويقول: هذه تأتي بمقدار ثلاثة قناطر مثلًا، هذا يسمى الخرص، وهو تخمين كم يكون عدد التمر؛ لأنهم لما يبدؤون بالأكل منها لا تستطيع أن تعرف حسبتها، لكن من البداية قبل الجذاذ يخرصوا-.
بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن رواحة لليهود يخرص عليهم نخيلهم، فخرص عليهم فحاولوا يراودوه عن هذه الحسبة فقالوا له: انقص أو زد قليلًا.
فقال لهم: والله لأنتم أبغض خلق الله إليَّ، ومع هذا لا يحملني بغضي لكم أن أظلمكم.
فقالوا له: بهذا قامت السموات والأرض (1) .
يعني هذا العدل وهذا القسط .. هو يقول لهم أنكم أبغض خلق الله إليَّ أنتم اليهود، ومع هذا فإن بغضي لكم لا يحملني أن أظلمكم، وهذا هو معنى الآية: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا} [المائدة: 8] ، فهو قال لهم: لا يحملني بغضي لكم أن أظلمكم، والله لا أظلمكم أبدًا، أخرص بالضبط مثل ما أعتقد وأتحرى وأدقق وأخرج الخرص كما هو؛ لا أزيد عليكم ولا أنقص، تحسبوني أني جئت لأظلمكم؛ فهو يريد أن يقول لهم هكذا، فلما رأوا هذه الكلمة منه ورأوا هذا الفقه قالوا: بهذا قامت السموات والأرض، وطبعًا هم عندهم قليل علوم ومعارف، يعرفون العدل.
{قَائِمًا بِالْقِسْطِ} قائم: حالٌ من {هُوَ} ، وقيل: هو حال من اسم الله، أي شهد لنفسه بالوحدانية حال كونه قائمًا بالقسط.
فهذه هي منزلة العدل: به قامت السموات والأرض ولا يمكن أن تقوم السموات والأرض ولا ينتظم حالها إلا بالعدل والقيام بالقسط، ولو وقع فيها الظلم على مستوى كبير تفسد هذه الأرض، والسموات وما فيها .. المكلفون في الأرض، والجن أيضًا؛ إذا طلعوا فوق السماء تضربهم الشهب، فلو كثر الظلم كثرة عظيمة يفسد نظام الأرض قطعًا لا شك، ولهذا فالعدل الذي جاءت به الرسل وأمرت به وجاءت به شرائع الله - سبحانه وتعالى - وأمرت به، كما أنه موصل إلى رضوان الله - سبحانه وتعالى - كما قلنا في معنى الدين-، أيضًا به ينتظم سعادة الناس والبشرية في هذه الدنيا؛ كما قال الله - سبحانه وتعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ
(1) انظر في هذه القصة: سنن أبي داود (3410) وقال الألباني: حسن صحيح، موطأ مالك (2397، 2389) .