فهرس الكتاب

الصفحة 1611 من 1908

والثقافات الأخرى بعد ذلك اقتبست الكثير جدًا من معاني العدل ومن تفاصيل العدل والقسط؛ اقتبسته من الشريعة الإسلامية، فاستفادت أوروبا من خطوط التّماس الثقافي التي كانت بين أوروبا على البحر المتوسط والشام وتركيا وإسبانيا هناك وغيرها .. استفادوا وأخذت أوروبا في عصور الظلام -التي سموا هم فيها أنفسهم عصور الظلام- العصور الوسطى التي كانوا هم فيها في قمة التخلف، وكانت امبراطورية الإسلام ودولة الإسلام قائمة عندنا؛ اقتبسوا الكثير من العلوم حتى تخاذلنا نحن وحصلت عصور الانحطاط الإسلامي هذه، وهم بالمقابل هناك استفادوا من حضارة الإسلام، واستفادوا من المفاهيم الإسلامية، وترقواوأخذوا بالأسباب الدنيوية وجاؤوا وغلبونا ونحن جلسنا مغلوبين مهزومين؛ لكن هم في النهاية تنوروا ببعض أنوار الشريعة واقتبسوا شيئًا من أشعتها؛ استفادوا منها، هذا كما قال العلماء يدخل في قوله - سبحانه وتعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} .

إنما العدل الكامل المنجي والمفيد في الدنيا والآخرة هو العدل الذي عند المسلمين القائمين بالقسط الملتزمين بدين الله - سبحانه وتعالى -، شريعة الله كلها عدل، ودين الله كله عدل، وليس عدلًا فقط، بل هو عدل ورحمة وإحسان؛ هذه ثلاث صفات قال العلماء أنها لم تجتمع أبدًا في أي حضارة ولا في أي فكر ولا في أي ثقافة إلا في الإسلام فقط: العدل والرحمة والإحسان؛ صرح بهذا العلماء وممن ذكره: الشيخ بشير الإبراهيمي - رحمه الله - قالوا لم تجتمع، ونقلها عن المؤرخين والحكماء أنهم صرحوا أنها لم تجتمع إلا في الإسلام وفي الفتوحات الإسلامية، كان كلها عدل ورحمة وإحسان.

لكن ما معنى العدل؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالعدل، ولكن قد يكون العدل عندهم ما رآه أكابرهم» (1) .

ما من أمة من الأمم في التاريخ قديمًا وحديثًا إلا وهي تأمر بالعدل وتدّعي العدل والعدالة، وتدعو إلى العدل وتمدح العدل وتذم الظلم، هل سمعتم أحدًا في الدنيا يمدح الظلم؟ فرعون أعتى إنسان وأظلم إنسان في الوجود وفي تاريخ البشرية ضربه الله مثلًا للفراعنة - «فرعون» لقب لهذا المعنى البشع الفظيع- هل كان يأمر بالظلم أو يمدح الظلم؟ أو يقول أنا ظالم وأريد أن أظلم؟ لا، اتفقت البشرية كلها جميع الأمم كلها كافرهم وملحدهم ومسلمهم وغيرهم على ذم الظلم، ومدح العدل.

(1) منهاج السنة النبوية (5/ 130) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت