المخطط له، كما تعرفون، وأخذت تنمو وتكبر بفعل الظرف الذي عاشته، وهو ظرف فوضى وفساد اجتماعي وسياسي وأخلاقي، والتفّ حولها الناس وتداعوا لنصرتها وفتحوا لها أبواب مدنهم وقراهم ورحّبوا بهم، ففتح الله لها قلوب الناس قبل أرضهم ومدنهم .. لأن الناس كانوا قد بلغوا من المعاناة من ظلم الأحزاب وأمراء الحرب وأمراء الإتاوات والمكوس والضرائب ومن الجرائم ومن الفساد العجيب ومن الفوضى وانعدام الأمن، وكانوا هم (طالبان، أي طلبة العلوم الشرعية) أهل صلاحٍ وخير ودين والتزام بالشريعة، قاموا غيرة على الدين آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر، مريدين لإصلاح الأمور وتطبيق أحكام الشريعة ما أمكن، فوجد فيهم الناس المنقذ والمخلّص من شؤم الواقع المرير الذي يقاسونه .. وشيئا فشيئا تكيَّفت حركتهم الناشئة مع الواقع والظرف، وعرفتْ دورها، وكانت همم قياداتها عالية، وأمدّهم الله -لصدقهم وإخلاصهم فيما نحسب والله حسيبهم- بالعون والمدد والتوفيق؛ ففتحوا معظم البلاد وأقاموا الدولة.
هذه الحركة هي حركة تقليدية بمعنى أنها مذهبية، على المذهب الحنفي، والمدرسة الديوبندية خصوصا، ينقصها بعض التجديد اللازم، فليست كالحركات «السلفية» أو الحركات الإسلامية المعاصرة المتميّزة بفكر إسلامي وثقافة إسلامية ثورية وتحررية و «منفتحة» -مع التحفظ على كل هذه الألفاظ، لكن نستعملها بقدرٍ؛ لضرورة الوصف والتفهيم- كالإخوان المسلمين مثلا، وغيرها من سائر الحركات.
كل ميزة هذه الحركة أنهم أهل دين وتقوى وتمسّك بالشريعة وتعظيم لها، ونعني بذلك على الأخصّ نواتها وقيادتها التي هي صُلبُها وأهل الحل والعقد فيها.
منّ الله عليها بقادة يُعتَبَرون من الطراز الأول، ومن النموذج الذي ظن الناس أنهم فقدوه، نموذج عماد الدين زنكي، وصلاح الدين، ومحمود الغزنوي، وأمثالهم من الأبطال .. نموذج كما نقول نحن في لغتنا العامية: «امتاع ربي» .. !
صدق .. وإخلاص .. وقوة تدين ومعرفة بالله تعالى، والتزام بشرعه، وتقوى وورع ووقوف عند حدود الله - عز وجل -، ونظر الآخرة، وعدم مبالاة بالدنيا، وزهد حقيقي لا متصنّع ولا متكلَّف.
كل ذلك مع مجموعة من الفضائل والأخلاق العالية: الشجاعة، وقوة النفس، والكرم وحب البذل والعطاء، والتواضع والزهد، والغيرة والنجدة والإباء والأنفة .. فهذه صورة أرجو أنها مفيدة في توضيح حال حركة طالبان .. هذه الحركة كسائر الحركات والجماعات البشرية ليست كاملة من كل وجهٍ كان؛ فيها نقص وعيوب بلا شك .. وفيها الخير والشر، ودخل فيها وانتسب إليها الصالح