وتقترح وتعطي المشورة -في وقت المشورة كما قلنا، أما بعدها فلا-. واحذر بعد انتهاء الأمر أن تقول: أنا قلت؛ لا تقلها أبدًا، كأنك أنت الفالح الشاطر المعصوم، وهم المفرطون الذين لم يأخذوا بقولك؛ لأن هذه الكلمة مزلة خطيرة جدًا لنفسك ولقلبك؛ فقد تؤدي بك إلى العجب وإلى أمراض قلبية خطيرة جدًا، والعجب هو رؤية النفس والإعجاب بها وظن أنها أفضل من الغير وهكذا والظن بأن لها حقوقًا وأن لها مرتبة لم يوفها الخلق حقها؛ فانتبه لهذا، واهضم نفسك وأزرِ بنفسك وتواضع وقل أنا عندي رأي؛ إن أخذتم به فجيد، وأما إن لم تأخذوا به فهذا اجتهادكم وكان من الممكن أن يكون خطًا أو صواب وقدر الله وما شاء فعل. لكن لا يدعي الإنسان ويقول أنا قلت وأنا قلت؛ فهذه انتبهوا لها، وهذه من الأخطاء التي أحيانًا يقع فيها بعض الناس، وهي مفسدة لنفسه ومفسدة أيضًا للاجتماع ومفسدة للعلاقة بين الناس وأمرائهم.
[أحد الحضور: يا شيخ كيف لو تعددت جهات اتخاذ القرار؟ فأحيانًا تجد يأتيك أمير مباشر يقول: افعل كذا، ثم يذهب، ويأتي الأمير العام يقول: لِم فعلتَ كذا بل افعل كذا، ويرجع الأمير المباشر يقول: أما قلت لك أن تفعل كذا وكذا، فيقول له الأمير العام قال لي ذلك، فيقول له لا، لا تفعل وأنا سأكلمه بعد ذلك .. وكل واحد يتضايق منه وهو لا يدري أين يذهب ومن يسمع] .
الشيخ: هذه حالات قليلة وليست كثيرة؛ فهنا يقدم رأي الأمير الكبير .. الجيوش عندهم الأمر الأخير هو الذي يُنفذ، هم حاسمينها هكذا .. الجيوش الحديثة في الدول يفعلون ذلك والذي أخذ العسكرية في الجيش يعرف ذلك فالتنفيذ للأمر الأخير عندهم. لكن نحن لا نسلم بهذا الحسم مائة في المائة.
إذا جاء الأمير الكبير المُطاع عليك أن تأخذ بكلامه، إذا جاء بعده مثلًا الأمير الثاني وقال لك افعل كما قلت لك أنا وأنا سأحل مشكلتي مع الأمير الكبير، لا بأس أن تأخذ بقوله .. والظاهر والله أعلم أن عليك طاعته، وهذه حالات قليلة.
أو الأمير الآخر الصغير عندما يعلم أن الأمير الكبير أمر بهذا الشيء من المفترض أن يسلم أصلًا، إلا إذا عرف أنه خطأ؛ فحينئذ له ذلك وهو بعدها يراجع الأمير الكبير وهكذا.
[أحد الحضور: ذكرتم أنه لا بد للمأمور أن يسمع ويطيع لأميره في المسائل الاجتهادية، لكن ماذا لو كان هذا المأمور لا يرى في نفسه ليست أن هذه المسألة اجتهادية، بينما يراها الأمير اجتهادية .. هب أن جماعةً جهادية قرر قادتها إيقاف القتال، وهذا المأمور يرى إمكانية الاستمرار في القتال حتى لو قليلا مثلا، أو يقولون له ما عندنا أموال فيأتي المأمور يريد حلها، والأمير يقول مثلا هناك مشكلة وهنا مشكلة؛ فهو كما يرى هذا المأمور أن حل كل المشكلات من أموال وأفراد أو خبرة عسكرية، أو أي شيء مثلا تحتاجه هذه العملية .. فهناك مأمور يقول: لا ما بقي مجال للأمير أن يقول هذه المسألة مسألة اجتهادية، فهذا المأمور لا يراها مسألة اجتهادية، بل ويرى الأمير عاصيًا لله - سبحانه وتعالى - وتاركًا للواجب؛ فماذا نفعل الآن؟]