ذلك، أو يحصر الاعتراض أو الانتقاد أو الاقتراح أو المشورة في أناس معينين .. هذا غير موجود.
كل إنسان مسلم له حق أن يعترض على الخطأ إذا رآه، أو يعترض على شيء معين خطأ -قول أو فعل- ويقترح ويشاور، له هذا .. لكن كما قلنا: التثبت وأن ينتبه الإنسان لموضع الخطر الذي فيه، يجب عليه أن يقول الحق، ويجب عليه أن يكون متثبتًا ومتأدبًا أيضًا، وإذا ظن أن هذا الاقتراح أو الاعتراض في موضع من المواضع يمكن أن يؤدي إلى مفسدة أكبر فلا يعترض ولا يبديه، وهكذا، وينظر أيهما أفضل أن يقوله بالسر وأن يقوله بالعلانية، وهكذا .. فهذا فقه؛ فيحتاج الإنسان أن يتفقه في هذا.
[مسألة: وبعض الناس يعترض على آراء الأمير في مسألة هو يظن أنها محسومة شرعًا وهو ما عنده علم شرعي أصلًا] ؛ فهذا على خطر، وهو رجل جاهل متسرع طائش، وربما يكون عنده أمراض نفسية أخرى وأمراض قلبية فهو في موضع خطر، فعليه ألا يعترض إلا بعلم وأدب وأمانة.
سائر الاعتراضات وسائر الكلام في الناس والكلام في الجماعات وفي الرجال وفي تقويمهم وفي الحكم عليهم وفي انتقادهم أو غيره .. لا بد أن يكون بعلم وعدل وأدب وإخلاص، وإلا يكون عليك لا لك.
هذه تكاليف مكلفٌ هو بها، لكن من حيث الأصل هو مباح له ومشروع له أن ينتقد وأن يرد الخطأ وأن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر وأن ينصح وأن يشاور، هذا مشروع لكل أحد .. لكن أنت متى تتكلم؟ وإذا رأيت ما بدا لك أنه خطأ هل تتكلم أو تصبر قليلًا وتتثبت؟ هذا تكليفك أنت.
أنا الآن مثلًا مع أمير وبدا لي أن هذا التصرف الذي تصرفه الأمير اليوم .. خطأ، هل أتكلم بسرعة أم أنتظر قليلًا وأتثبت لعل عنده وجهة نظر أو لعله كذا؟ وربما فلان مثلًا من العقلاء وأهل العلم هنا أشاوره وأقول له: ما رأيك؟ أنا يظهر لي أن الأمير فعل كذا وكذا وهذا ليس صحيحًا فكيف ننصحه؟ تشاور مع واحد .. لا أن تتشاور مشاورة كبيرة وتعمل ضجة وفتنة! فهذه الأمور تتحول إلى فتنة، لكن ممكن أن تتشاور مع واحد إذا كان يظهر لك أن هذا يؤدي إلى تمحيص الرأي ويفيدك.
فإذا بدا لكما أنتما الاثنين أن الأمير المفروض أن يُنصح؛ فاذهبوا إليه وانصحوه، واختاروا دائمًا طريق النصح السري فهو أفضل من العلني، هذا هو الأصل.
الأمراء في الأصل يُنصحوا سرًا، ولكن لا نمنع النصح علانية كما منعه بعض الناس، إنما الغالب أن النصح السري هو المطلوب والأصل هو هذا .. لكن أحيانًا في مواضع يكون الخطأ فوري وأمام الناس ولا يحتمل التأخير فهنا ننصح علانية.
لكن الغالب إذا كان يحتمل التأخير، وكان الأمر عاديًّا وليس مرتبطًا بزمن، ويمكن أن يؤدى سرًا وهكذا؛ فينصح سرًا للأمراء.
وهذا دلت عليه سير الصحابة - رضي الله عنهم - وبعض الأحاديث الواردة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فهذا هو الأصل.
فإذن هذا راجع إلى الإنسان نفسه، عليه أن يتثبت: وأن يعرف هل النصح الآن مطلوب؟ هل المشاورة مطلوبة؟ هل الاعتراض مطلوب؟ أم هو قد يكون يبدو له وهو مخطئ؛ فقد يبدو له أن الأمير أخطأ وفي حقيقة الأمر هو الذي أخطأ.
وكم من عائبٍ قولًا صحيحًا ... وآفته من الفهمِ السقيمِ (1)
قد تُنكِر العينُ ضوءَ الشّمسَ من رَمَدٍ ... ويُنكر الفَمُ طعمَ الماءِ من سَقَمِ (2)
فقد يشرب الإنسان المياه فيجدها مُرة، وهي في الحقيقة ليست مرة، ولكنه هو المريض.
«وكم من عائب قولًا صحيحًا وآفته من الفهم السقيم» يعيب قولًا صحيحًا ويرده ويجادل ويعترض .. وعند التحقيق وعند النظر يكون السقم في فهمه وهو وجاهل؛ فالإنسان عليه أن يتثبت.
أنا لا أمنعك حقك في الاعتراض أو حقك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحقك في النصح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، بل هذا واجب عليك أصلًا؛ فكيف أمنعك؟ ولكن بالتثبت؛ لأن كثيرًا من المسائل هي مسائل اجتهاد ومسائل للنظر ومسائل للتدبير يختلف فيها الناس، فلا تُسارع ولا تطيش، وإنما عليك بالتثبت والتمهل، وإذا احتجت أن تتشاور مع شخص عاقل من أهل العقل والرزانة والعلم والحكمة لا بأس تتشاور؛ حتى تنصحوا الأمير مثلًا وتتثبتوا من الأمر.
فإذا مشى الإنسان على هذا تكون الأمور منتظمة -بإذن الله- ولا يحصل خلل ولا فتنة في الصفوف؛ لأن كثيرًا من الاعتراضات تسبب فتنًا وفسادًا للقلوب وهكذا، والله أعلم-.
نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى ..
سبحانك اللهم وبحمدك
(1) قاله: المتنبي، انظر: الأمثال السائرة من شعر المتنبي (ص 35) .
(2) قاله: البوصيري، انظر: البردة (ص 11، البيت رقم 105) .