يتكلم فيه الفقيه المؤهَّل -الإنسان العالم المفتي المؤهل- يعني درس العلوم وأتقنها وصار عنده أهلية لأن يتكلم في المسائل الشرعية.
فالتكفير حكمٌ شرعيٌ كالحلال والحرام، كما نقول -مثلًا-: أكْلُ لحم الأرنب أو أكل لحم الدجاج، أو البيوع -مثلًا- في البيع الفلاني على الطريقة الفلانية أو بيع الشيء الفلاني وشراءه والتعامل بالمبايعة بالأمور الفلانية حلال، يفتي المفتي بأنها حلال، وكالأنكحة ونحوها يفتي فيها المفتي، وكأحكام الأوقاف والحبوس والمواريث، وكالحكم بصحة صلاةٍ أو بطلانها أو فسادها، وكالحكم من صحة الصيام، وكالحكم في الزكوات وما تجب فيه الزكاة وما لا تجب ومقاديرها وغيرها في أعيان الموجودات وهكذا .. هذا حكمٌ شرعي؛ أنت تأتي للمفتي تقول له: أنا دخلتُ في معاملة تجارية أشتري سيارة من كذا من أفغانستان وأدخل بها كذا أو أعمل بها كذا، أبيعها لفلان وأشتريها، ما حكم هذا يا شيخ؟ يقول لك حلال، أو يقول لك حرام لا يجوز، هذا حكم شرعي.
من يتكلم في هذا؟ الفقيه المؤهل، كذلك الحكم بإخراج شخصٍ مسلم من دائرة الإسلام وصيرورته كافرًا، أي الحكم بأنه كافر .. هذا حكم شرعي لا يتكلم فيه إلا الذي عنده أهلية وهم العلماء الفقهاء.
لكن معلوم أن كثيرًا من المسائل التي هي كفر، يعرفها كثير من الناس ويستوي فيها العالم والجاهل، الناس كلهم بها علماء، مثال: لو جاء رجل مسلم وأخذ المصحف ومزقه وألقاه في الزبالة -حاشاكم-، وهو عالم مختار بكمال قوته العقلية أمامنا ليس عليه إكراه ولا أحد يُكرهه ولا يضغط عليه ولا شيء، فعل هذا مُختارًا، فكل الناس يعلمون أن هذا كفر وأن فاعله كافر.
فهذه جائز لكل واحد إطلاق الكفر فيها، جائز لكل أحد أن يحكم على هذا بالكفر، وأن يحكم على فعله بالكفر، وعليه بالكفر ما دام حاله ظاهرًا، ليس له عذر من إكراه ولا نحوه.
أو يأتي شخص ويقول أنه -والعياذ بالله- كفَر بالإسلام وتحول إلى النصرانية، وصار نصرانيًا ولبس الصليب وصار يصلي في الكنيسة؛ فكل مسلم يحكم عليه بالكفر، المسلمون جميعًا يعلمون أن هذا كفر؛ فهذا يستوي فيه العالم والجاهل من المسلمين.
هذه المسائل ونحوها وما قاربها؛ الناس كلهم بها علماء، لكن كلامنا السابق على الغالب وللاحتياط، وهو متعلق بالمسائل التي يحصل فيها الاختلاف والنظر واختلاف الأفهام وهي المسائل الاجتهادية، والمسائل التي يكون مبناها على الاستنباط والاستدلال، المبنية على العلم المُكتسب، أما المسائل الأخرى التي يستوي فيها العالم والجاهل من المسلمين وكلهم يعرفونها، هذه مبنية على العلم