واحدة على التوحيد؟ والأصح هو الذي ثبت عن ابن عباس في تفسيرها أنها «أمةً واحدة على التوحيد؛ كان الناس أمة واحدة من لدن آدم على التوحيد إلى أن وقع الكفر والشرك في قوم نوح» (1) كما حكاه الله - سبحانه وتعالى - وأشار إليه في القرآن، وقع الشرك وعبدوا الأصنام.
طريقة عبادتهم الأصنام معروفه؛ صوروا لصالحيهم صورًا وتماثيل بإيحاء الشيطان، وقال لهم: هؤلاء الصالحون يجب أن تعظموهم؛ فأوحى إليهم الشيطان أن عَظِّموهم وصوروا لهم الصور واجعلوا لهم التماثيل؛ حتى تتذكروهم وتتذكروا نصائحهم ومواعظهم وتتذكروا ما كانوا عليه من السيرة الخيرة ونحو ذلك؛ فيزيدكم هذا صلاحًا، الشيطان دخل عليهم من هذا الباب فصوروا تلك الصور وصنعوا تلك التماثيل.
فالجيل الأول كان يعرف، وربما الثاني والثالث، ثم لما طال الأمد فنُسي العلم كما قال ابن عباس، فعبدوهم من دون الله وهم الذين ذكرهم الله - سبحانه وتعالى - في سورة نوح في قوله: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) } [نوح] خمسة: وَد -أو وُد في القراءة الأخرى (2) - وسواع ويغوث ويعوق ونسر، كانوا من الصالحين من قوم نوح، ثم صور لهم قومهم تماثيل وهكذا، ثم عُبِدوا بعد ذلك، عُبدوا لما نُسي العلم فوقع الشرك والكفر.
هذا معنى {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي على التوحيد؛ ففي الكلام حذف، ثم وقع الشرك في الأمة، وفي البشرية والناس، ووقع الكفر.
فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، مبشرين بالثواب لم أطاع الله وبالخير، ومنذرين سخط الله وغضبه وعذابه لمن كفر وعصى وأشرك {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [البقرة: 213] الآية؛ فالمقصود أن الناس لما بعث الله الرسل مبشرين ومنذرين، الناس افترقوا كما قال الله - سبحانه وتعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253) } [البقرة] ؛ فأفادت هذه الآية الكريمة أن الناس
(1) انظر: تفسير الطبري (4/ 275) روى الطبري بإسناده إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق؛ فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله: كان الناس أمةً واحدةً فاختلفوا» .
(2) يقرأها جميع القراء بالفتح {وَدًّا} ، ما عدا نافع وأبي جعفر فبضم الواو. انظر: البدور الزاهرة في القراءات العشرة المتواترة (ص 329) .