اختلفوا بين مؤمن وكافر بعد بعثة الرسل، الذين اتبعوا الرسل وصدقوهم وآمنوا بهم واتبعوهم وأطاعوا الله - عز وجل -؛ هؤلاء هم المؤمنون الذين عبدوا الله وحده لا شريك له.
والذين صدوا عن دعوة الرسل وكفروا بها واستهزأوا بها ورفضوها وأبَوْها ولم يتبعوها، واتبعوا أهواءهم، هم الكفار الذين لم يعبدوا الله - عز وجل - أو عبدوا الله وعبدوا معه غيره ولكنهم لم يعبدوه وحده؛ لأن العبادة المعتبرة عند الله - عز وجل - هي عبادته وحده لا شريك له وما سواها لو شخص عبَد الله وعبد غيره كأنه لم يعبد الله، فهو في الحقيقة لم يعبد الله؛ لأن عبادته الجزء الذي صرفه لله غير معتبر شرعًا عند الله، إنما المعتبر هو التوحيد؛ عبادة الله وحده لا شريك له.
فانقسم الناس إلى مؤمن وإلى كافر، ثم حصل الاقتتال بينهم قال الله - سبحانه وتعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} فأفادت الآية أن اقتتال المؤمنين والكافرين مراد لله - عز وجل -، مقصود يريده الله، وهذا بينته آيات أخرى كثيرة، بينت الآيات أن الله فَتَن الخلق بعضهم ببعض، وسلط بعضهم على بعض اختبارًا للطرفين لهذا ولهذا، اختبارًا وامتحانًا وفتنةً لهم ولمقاصد أخرى منها أن يختار الله - عز وجل - أولياءه وأصفياءه وأحبابه ويختار الشهداء، ويختار الذين يختارونه ويفضلونه ويوالونه ويحبونه ويقدمون محابه على كل شيء، يختارهم الله - سبحانه وتعالى - ويرفع درجاتهم فهذا مقصود لله - سبحانه وتعالى -.
قال الله - سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) } [الأنعام] ، وقال الله - سبحانه وتعالى - في سورة الفرقان: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20) } ؛ فالله - سبحانه وتعالى - سلط الناس بعضهم على بعض وفتن بعضهم ببعض؛ لأمر مقصود يريده الله - عز وجل -، إرادة إلهية ربانية سامية عظيمة شريفة، مطهرة مقدسة، الله - سبحانه وتعالى - يريد هذا الشيء، ومن أجله بعث الرسل ومن أجله كلفنا بهذه التكليفات؛ حتى يختار الله - سبحانه وتعالى - أولياءَه وحتى تحصل المقاصد التي أشرنا إلى بعضها.
قال الله - سبحانه وتعالى - في مطلع سورة محمد - صلى الله عليه وسلم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (3) }
{كَذَلِكَ} أي نحو ذلك البيان؛ فيبين الله هنا صفات المؤمنين ومَثلهم، وصفات الكافرين ومَثلهم؛ فقال: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} أمر بضرب رقابهم وقتالهم وجهادهم؛ فـ {ضرب} أمر بصيغة المصدر النائب عن فعله {حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ} أكثرتم فيهم القتل والجراح {فَشُدُّوا الْوَثَاقَ} أسرًا فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ