«فأولًا كان أبو الليث - رحمه الله - هو الفتى ونعم الفتى، بما تتضمن كلمة «الفتى» من الشهامة وكرم النفس وشرفها وعزتها والحياء وقوة الطموح والتطلع للكمالات والمزاحمة على المراتب العالية في الخير والنفور أيضًا من السفاسف والأنفة من الكون في الحضيض, ثم حنّكته التجارب يعني استفاد من التجارب التي مر بها في حياته بأن قرأها قراءة صحيحة وبنى عليها بحيث عرف العلل والحِكَم وعرف الصحيح والخطأ والحسن والقبيح وتثقفت نفسه واكتمل عقله وهذا الشيء مهم جدًا, لأن بعض الناس يمر بتجارب كثيرة وربما تجارب كبيرة وبليغة ومعقدة ومفيدة جدًا لكن قد لا يستفيد لأنه يقرأ التجربة قراءة خاطئة فتعود التجربة عليه وبالًا عافانا الله وإياكم .. فالمهم نعود إلى الشيخ أبي الليث, كان الشخصية المجربة المستفيدة باستمرار, المتطورة الطالبة للفضل دائمًا, لا يتوقف عن طلب الفضل بمعنى دائمًا يطلب أن يكون أفضل, كل يوم يكون أفضل من أمسه, وكان يُحسن الاستماع والاستفادة ولا يترفع عن التقاط الفائدة ممن كان .. مع الوقت والتجارب كان ابن زمانه ورجل وقته مع إخوانه الرجال, كان شخصية قيادية -كما قلت-, شخصية ذات عقلية مرتبة, شخصية مستفيدة متطورة غير جامدة على ما اعتادته فحسب بل هو باحث باستمرار عن الأفضل والأكمل والأحسن, شخصية صادقة شفافة, تميز بأنه شخصية أيضًا تربوية يعني مربية, يعني شخصية ذات عقلية تربوية بناءة يهتم بالتربية وبناء النفس وبناء الشخصية, يعرف الناس ومعادنهم وأقدارهم وصفاتهم وتفاوتهم ويعرف عيوبهم ومداخل النقص فيهم, وكان حَسَن الفهم وصاحب معايير صحيحة مستقيمة وفقهٍ جيد, والإخوة الكبار لاحظوا هذا وعرفوه ولهذا كان الإخوة الذين لهم أبناء أو شباب ناهزوا البلوغ يحبون إرسال أبنائهم إليه ليكونوا معه في مراكزه وتحت إشرافه».