فهرس الكتاب

الصفحة 1898 من 1908

وباكستان والصومال؛ كالقول: لن تحلم أمريكا بالأمن حتى نعيشه واقعًا في فلسطين.

ولا يخفى عليكم أن من الأمور المهمة جدًا عند وجود النزاع بين طرفين أن يكون كل واحد منهما مطلعًا على ثقافة خصمه وتاريخه وكيفية تفكيره ونقاط ضعفه وقوته؛ فإن هذا مما يعينه على اتخاذ القرارات الأصوب بعد عون الله - سبحانه وتعالى - له.

ولقد ظهر من خلال المتابعة لتصريحات ساسة الأمريكيين والاطلاع على تطور الصراع وواقع الحرب بيننا وبينهم فضلًا عن حروبهم السابقة؛ إلى أن ضرب أمريكا في عقر دارها له الأهمية القصوى وفي المرتبة الأولى، وهو السبيل الأساسي الموصل لما نريد؛ فتأثر الأمريكيين من ضربهم داخل أمريكا لا يقارن بضربهم خارجها، فضلا عن ضرب حلفائهم ووكلائهم.

فبتأملنا لبعض تاريخ أمريكا نجد أنها رغم خوضها قرابة ستين حربًا منذ نشوئها؛ فإن القاسم المشترك لبعض هذه الحروب هو أنها لم يكن العمل العسكري من خصومهم في الخارج هو العامل الرئيس في حسمها، وإنما حسمت عندما ازداد الغضب الشعبي والمعارضة الداخلية لها؛ فعلى سبيل المثال: حربهم في فيتنام قتل فيها 57000 جندي أمريكي ولم تحسم الحرب بهذا العدد الهائل من القتلى، وإنما اضطروا للانسحاب عندما أخطأ رئيسهم نيكسون وأمر بالتجنيد الإجباري لمواصلة الحرب مما جعل القضية تمس أمن كل فرد أمريكي وعندها ثار الشعب ولا سيما طلاب الجامعات بمظاهرات حاشدة ضد الحرب والحكومة مما اضطرها للانسحاب.

ولا يخفى عليكم أن سياستهم الحالية لمعالجة نقص الجنود هي بالإغراءت المالية الهائلة من دون إكراه لتلافي خطأ نيكسون.

ومعلوم لديكم أن عدد سكان أمريكا 300 مليون، قتل منهم في أفغانستان حوالي 1000 جندي خلال ثمان سنين، وفي العراق حوالي 4000 جندي؛ هذا يعني أن الضرر قد أصاب فئة يسيرة منهم لا تكفي لإثارتهم وتحركهم لإرغام الساسة على وقف الحرب.

وبعملية حسابية بسيطة: إذا قسمنا عدد قتلى أمريكا في أفغانستان على عدد سكانها فستكون نسبة عدد القتلى من الشعب الأمريكي في أفغانستان ثلاثة فاصلة ثلاثة في المليون وهي نسبة ضئيلة جدًا لا تُذكر، بينما نسبة عدد قتلاهم في فيتنام ثلاثمئة وثمانين في المليون؛ حيث كان عدد سكان أمريكا وقتها مئة وخمسين مليونًا.

أي أن أمامنا أكثر من مائة ضعف حتى يكون عدد قتلاهم في أفغانستان كعدد قتلاهم في فيتنام، ومع ذلك لم تحسم الحرب هناك بسبب هذا العدد الكبير من القتلى.

وبذا يتضح أن النسب الضئيلة في مصائب الأمم والتي لا تذكر لا تؤثر عادة في مثل قضايا الشعوب وغضبها وثورتها وتستطيع التعايش معها وتحملها، وهذا يُظهر أن الطريق أمامنا طويل جدًا لكسب المعركة في أفغانستان إذا كان الأمر متوقفًا على عدد قتلى الخصوم فقط.

إلا أن هناك عناصر أخرى مؤثرة في وقف الحرب منها ارتفاع عدد العاطلين عن العمل في أمريكا بعد الحادي عشر وحربي العراق وأفغانستان إلى نسبة عشرة في المئة من القوى العاملة هناك، وهو ما يقدر بعشرة ملايين عاطل وهو رقم كبير جدًا إذا ما قيس إليه عدد قتلاهم في أفغانستان؛ حيث تصل النسبة إلى واحد في كل عشرة آلاف.

وهؤلاء العاطلون يعلمون أن جزءًا من الضرر الذي لحق بهم كان بسبب الإنفاق الهائل على الحربين في العراق وأفغانستان، والجزء الآخر بسبب الجشع والفساد المالي والإداري في نيويورك وواشنطن.

وهذا العدد الكبير من الناس لم يستطع بعد أن يحسم في إيقاف مصادر تلك الأضرار وإنما ساهم مع الآخرين في إسقاط إدارة الجمهوريين التي تسببت بتلك المصائب، ورشحوا الديمقراطيين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت