فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 1908

والشجون.. لكن عزائي أن ذكراهم تسلي الغريب..

يذكر الناس أمجادهم ومفاخرهم وفيهم نخوة أماتها الضَّيم، وفحولة قضى عليها التأَنُّثُ، وذكرى أتت عليها الغفلة والنسيان، وعزيمة أطفأتها طباع الضعف والفسولة، وشواعر خدرتها تهدئة الدخيل وزمزمة الحاوي وهينمة الواغل..

ولا تفتأ الأمّة مستعرضة ماضيها.. ولا تزال في غمرة من المنبهات المنعشة وفية متعطشّة للعزّ والسيادة، مستشرفة إلى الطموح، لا يقل تقديرها للرجال أمثال «عطية الله» - رحمه الله -.. وفي ذكراهم مبعث أمل..

يقول أعداؤنا وخصومنا عنا: أننا حين نعتزّ بأسلافنا نعيش في الخيال، ونعتمد على الماضي، ونتّكل على الموتى، استهزاء بنا؛ يريدون أن ننسى ماضينا فنعيش بلا ماضٍ، حتى إذا استيقظنا لم نجد ماضيًا نبني عليه حاضرنا.

وسلوهم: هل نسي قوم ماضيهم؟.. كل الناس يعتزُّون بآبائهم وأجدادهم، ويخلدون عظماءهم في الفكر والأدب والفلسفة والحرب والفن؛ إنهم لا ينسون الجندي ذا الأثر فضلًا عن القائد الفاتح، وهذه تماثيلهم تشهد، ومتاحفهم تردّد الشهادة.

ومن حقّنا، بل من واجبنا؛ أن نعرف ماضينا والرجال الذين عمروه في ميادين الحياة..

إن غفلتنا عن إحياء ذكريات رجالنا ووصل ما انقطع منّا بهم، بإحياء أمجادهم هي التي أزهقت في أمتنا الإسلامية روح التأسّي فأفقرتها من الرجال، وجعلت تاريخها الحديث خلوًا من المثل العليا.. فما لنا من فائت نتمنى ارتجاعه أعظم من بعث أخلاقهم وأعمالهم..

ولعمري إن تلك القوى لم تمت، وإنما هي كامنة، وإن تلك الشعل لم تنطفئ؛ فهي في كنف الإسلام آمنة، وما دامت نفحاته تلامس العقول الصافية، وتلابس النفوس الزكية، فلا بدّ من يوم يتحرّك فيه العلماء فيأتون بالأعاجيب.. وما زلنا نلمح وراء كل داجية في تاريخ الإسلام نجمًا يشرق، ونسمع بعد كل خفتة فيه صوتًا يخرق، من عالم يعيش شاهدًا، ويموت شهيدًا، ويترك بعده ما تتركه الشمس من شفق يهدي السائرين المدلجين إلى حين..

الرجال أعمال.. وأقوال الرجال مقرونة بالصدق والانجاز.. وحين نذكر «عطية الله» - رحمه الله -.. إنما نذكره ونكبره لعلمه، ونكبره من نواحي هذا العلم بآثاره في العلم وبأعماله للعلم.. ولعل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت