أذكر في بدايات «عطية الله» وأول ذهابه للجامعة بطرابلس تأثر ببعض الأفكار التي لم تكن موجودة عندنا في «مصراتة» بفضل الله ثم هؤلاء الإخوة الذين ذكرت بعضهم تأثر ببعض أفكار الغلو؛ حتى حاول أن يكتب رسالةً في ذلك وبدأ ينشرها بين الشباب في مصراتة، وعندما سمعنا ذلك أقمنا جلسة للاخوة كلهم حضرها عدد من الشيوخ الافاضل، وأقمنا حلقة نقاش .. وكان «عطية الله» شجاعا جريئًا فيما يظن أنه حق؛ فناقش وجادل على فكرته ولكن بأدب جم؛ حتى لا يكاد ينظر إلى وجه من هو أكبر منه أو أسبق بفضل أو علم .. ومع انتهاء الجلسة ترك «عطية الله» وباقي الشباب تلك الأفكار ورجع إلى ماكان عليه الإخوة من منهج قويم، وما ذلك إلا لكونه وقافًا عند الدليل والشرع .. ومن ذلك الزمن وهو ملازم للسنة منافحٌ عنها.
كنا في عهد «القذافي» نعيش في ظروف صعبة، وفي غُربَة .. ولكن كل ذلك لم يمنع الإخوة من الدعوة، بل والسعي لتشكيل مفارز جهادية، بل وحتى تنظيماتٍ جهادية لمحاولة مقارعة الباطل، وكان «عطية الله» الشاب الشجاع في مقدمة هؤلاء الإخوة الساعين لحشد الناس لمقارعة الباطل.
هاجر «عطية الله» وهو في سن العشرين؛ فصقلته الهجرة ومخالطة العلماء والمجاهدين والتنقل في البلدان؛ فازداد خبرةً وعلما وتجربة ومعرفة بأحوال الأمة .. حيث طاف في الجزائر، فمصر، فباكستان، وأفغانستان، ثم إلى أرض شنقيط لينهل العلم، ثم السودان، ثم الجزائر التي استقر في جبالها ثلاث سنوات كانت لنا من أصعب وأنفع التجارب .. فتجربة الجزائر والتي استنفذ فيها جهده ناصحًا ومعلما ومحذرا وخائفا على الشباب؛ زادته معرفةً وعلمًا ورسوخا حيث رأى بأم عينه ما يفعل الانحراف والغلو في الأمة، وكيف ضيع ثمرةً للأمة كنا نظنها ستنضج، ونستمتع بها فيما بعدُ، تلك التجربة جعلت «عطية الله» في معظم دروسه وكتاباته يحذر شباب الأمة من الغلو والغرور والعجب، ومن مغبة أن يظنوا أن الحق معهم وحدهم، ومن خطر عزلهم عن العلماء وعن بقية الأمة .. تجربة الجزائر رغم مرارتها إلا أنها كانت تجربة نافعة لـ «عطية الله» نقلها في كلمات موجزة جيدة الحبك لشباب الأمة .. آهٍ لو اخذوا بها لنجوْا من كثيرٍ من المطبات والإخفاقات التي وقعوا فيها.