ولكن لا بد أن يفهم على ضوء الكلام السابق في أسباب تفرّق الناس.
ثم لا بد من التوجه بعد ذلك إلى العمل، والعمل هنا هو: السعي لإصلاح أنفسنا أولًا، ثم دعوة الآخرين وإصلاحهم، ثم السعي للتأليف بين طوائف المؤمنين وجمع كلمتهم وتوحيد صفهم، ثم التعامل مع من نازعنا وخالفنا على وَفق ما أمرنا ربنا - عز وجل -.
فإذا عملنا في كل ذلك بما يرضي الله تعالى، وجاهدنا في هذا حق الجهاد، وعلِم اللهُ منا الصدق والإخلاص؛ فإن الله يفتح علينا وينصرنا، ولا يضرنا بعد ذلك خلاف مخالفٍ ولا نزاعُ منازعٍ.!
ونأتي للجواب على الأمرين في سؤالك:
«الأمر الاول: نريد من فضيلتكم النصح في هذا الموضوع وتوجيه الشباب للالتفاف حول أهل العلم ومناصرتهم» أظن أن قدرًا من النصح والتوجيه قد حصلَ فيما تقدم، ولله الحمد.
وأما توجيه الشباب للالتفات حول أهل العلم ومناصرتهم، فلا شك أنه معنىً صحيح، نأمُرُ به وننصح، لكن على المعنى المرضي عند الله تعالى وفي شرعه لاسم «أهل العلم» .
فنحن عندما نأمر الشباب وننصحهم ونوجههم ونربّيهم على الالتفاف حول العلماء والرجوع إليهم والاستماع لهم وطاعتهم إنما نقصد -بالضرورة وبلا شك- أهل العلم الموصوفين بذلك في القرآن والسنة، الممدوحين في القرآن وعلى لسان نبينا - صلى الله عليه وسلم -، والمجعولين من خيار هذه الأمة وأشرفها مقامًا ومنزلةً، وهم أهل العلم الذين قال الله فيهم: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) } [المجادلة] ، وقال تعالى: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76) } [يوسف] ، وقال: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9) } [الزمر] ، وقال: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) } [آل عمران] ، وقال: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) } [العنكبوت] ، وقال: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ (49) } [العنكبوت] ، وقال: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) } [الإسراء] ، وقال: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) } [فاطر] ، وقال: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54) } [الحج] ، وقال - عز وجل - في سورة القصص: إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ