فهرس الكتاب

الصفحة 363 من 1908

لا يحصى كثرة.

ولا شك أن هؤلاء العلماء الصالحين الممدوحين عند الله تعالى المفضّلين المشرفين هم المأمور بسؤالهم في قول الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) } [النحل] وهم أولو الأمر على التحقيق كما حققه جماعة من علمائنا - رحمهم الله - المقصودون في قوله تعالى: {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] ؛ لأن أولي الأمر هم ذووه وأصحابه، والأمر: الشأن، والمقصود مَن يرجع إليهم تقرير أمور الناس والفصل فيها، وهم طائفتان: العلماء والأمراء، وعند التحقيق هو راجع إلى العلماء لأن الأمراء تبعٌ لهم وعالة عليهم.

قال القاضي أبو بكر بن العربي - رحمه الله - عند آية النساء: «الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} فِيهَا قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: هُمْ أَصْحَابُ السرايَا، وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبُخَارِيِّ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ، إذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي سريَّةٍ. الثَّانِي: قَالَ جَابِرٌ: هُمْ الْعُلَمَاءُ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ التَّابِعِين، واخْتَارَهُ مَالِكٌ؛ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ مَسْلَمَةَ: سَمِعْنَا مَالِكًا يَقُولُ: هُمْ الْعُلَمَاءُ. وَقَالَ خَالِدُ بْنُ نَزَارٍ: وَقَفْت عَلَى مَالِكٍ؛ فَقُلْت: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَا تَرَى فِي قَوْله تَعَالَى: {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} ؟ قَالَ: وَكَانَ مُحْتَبِيًا فَحَلَّ حَبْوَتَهُ، وَكَانَ عِنْدَهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ فَفَتَحَ عَينيْهِ فِي وَجْهِي، وَعَلِمْت مَا أَرَادَ، وَإِنَّمَا عَنَى أَهْلَ الْعِلْمِ، وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ وَاحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي) الْحَدِيثَ (1) ، وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُمْ الْأُمَرَاءُ وَالْعُلَمَاءُ جَمِيعًا، أَمَّا الْأُمَرَاءُ فَلِأَنَّ أَصْلَ الْأَمْرِ مِنْهُمْ وَالْحُكْمَ إلَيْهِمْ، وَأَمَّا الْعُلَمَاءُ فَلِأَنَّ سُؤَالَهُمْ وَاجِبٌ مُتَعَين عَلَى الْخَلْقِ، وَجَوَابُهُمْ لَازِمٌ، وَامْتِثَالُ فَتْوَاهُمْ وَاجِبٌ، يَدْخُلُ فِيهِ الزَّوْجُ لِلزَّوْجَةِ، لَا سيمَا وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ كُلَّ هَؤُلَاءِ حَاكِمٌ، وَقَدْ سَمَّاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فَقَالَ: {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا} [المائدة: 44] ؛ فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - حَاكِمٌ وَالرَّبَّانِيَّ حَاكِمٌ، وَالْحَبْرَ حَاكِمٌ، وَالْأَمْرُ كُلُّهُ يَرْجِعُ إلَى الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ قَدْ أَفْضى إلَى الْجُهَّالِ، وَتَعَيَّن عَلَيْهِمْ سُؤَالُ الْعُلَمَاءِ، وَلِذَلِكَ نَظَرَ مَالِكٌ إلَى خَالِدِ بْنِ نَزَارٍ نَظْرَةً مُنْكَرَةً، كَأَنَّهُ يُشيرُ بِهَا إلَى أَنَّ الْأَمْرَ قَدْ وَقَفَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْعُلَمَاءِ، وَزَالَ عَنْ الْأُمَرَاءِ لِجَهْلِهِمْ وَاعْتِدَائِهِمْ، وَالْعَادِلُ مِنْهُمْ مُفْتَقِرٌ إلَى الْعَالِمِ كَافْتِقَارِ الْجَاهِلِ» (2) اهـ.

وقال الطاهر بن عاشور - رحمه الله - في التحرير والتنوير: «قوله: {وَأُولِي الْأَمْرِ} يعني ذويه وهم أصحاب

(1) صحيح البخاري (7137) ، صحيح مسلم (1835) .

(2) أحكام القرآن (1/ 574) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت