العفو العافية ونعوذ بالله من الخذلان، ونحن ننظر في حالة ونحكم عليها بما تستحق شرعًا، ونحتاط ونطلب السلامة والعافية ما أمكن.
وقولك: «فما هي الأسباب التي دعَت إلى إطلاق الحكم على الحكّام، وما هي الصوارف التي صرفت الحكم عن العلماء .. ؟»
أقول: تحصل الجواب على هذا مما تقدم، لكن لا بأس بزيادة الإيضاح:
-الحكام ارتكبوا المكفرات البينة التي عندنا من الله فيها برهان، ولم يكن لهم عذرٌ يصرف عنهم حكم الكفر، بمعنى أنه قد توفرت الشروط وانتفت الموانع للحكم عليهم بالكفر، فحكمنا عليهم بالكفر، على بصيرة وبينة ولله الحمد.
-والعلماء المشار إليهم لم يرتكبوا ما هو كفرٌ بالأصالة، إنما هم لم يكفروا ذلك الذي حكمنا عليه نحن -اجتهادًا- بالكفر، اجتهادا منهم أيضا، فنحن مجتهدون في الحكم على هؤلاء الحكام بالكفر، ومخالفونا مجتهدون في عدم تكفيرهم .. هذه هي المسألة في صورتها البسيطة، ولا ينطبق عليهم قولنا: «من لم يكفر الكافر فهو كافر» (1) لما تقرر في موضعه من أن المقصود بذلك هو الكافر المقطوع بكفره المجمع عليه كالكافر الأصلي أو المرتد المصرح بانتقاله عن دين الإسلام، وما في قوته، وأن مدار هذه العبارة (القاعدة) على تسمية الكفر إسلامًا؛ فرجعت إلى معنى التكذيب بحكم الله والكفر بالإيمان، قال الله تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5) } [المائدة] وقال: {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (51) } [النساء] وقال: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) } [البقرة] .
وقلتُ: «هذه هي المسألة في صورتها البسيطة» لأنه قد توجد صورةٌ يكون فيها الحكم بالكفر على بعض الحكام مما يدخل تحت العلم الضروري المقطوع به المجمع عليه، كما لو صرح حاكم من الحكام بالانتقال من دين الإسلام إلى دين آخر، أو فعل الكفر البين الواضح الجلي الذي لا يختلف الناس فيه ألبته (لا في ثبوته ولا في دلالته وحكمه) كسبّ الله ورسوله ودينه والاستهزاء به بأوضح العبارات لا
(1) كل من شرح «نواقض الإسلام العشرة» للشيخ «محمد بن عبد الوهاب» فَصَّل في هذه القاعدة؛ إذ هي الناقض الثالث منها، ومن هذه الشروح: مذكرة في شرح النواقض؛ لعلي الخضير (ص 4) ، التبيان؛ للعلوان (ص 21) ، الإعلام؛ للطريفي (ص 17) ، شرح النواقض؛ للطويلعي (ص 12، 13) ، ومن الرسائل التي وُضحت فيها هذه القاعدة: الإشراقة في سؤالات سواقة (المسألة الرابعة) ؛ لأبي محمد المقدسي، الثلاثينية (الفصل الثالث، الخطأ رقم 11) ، قواعد في التكفير؛ لأبي بصير (القاعدة رقم 12) .