فهرس الكتاب

الصفحة 389 من 1908

مالك: إن كان مثلَ عمر بن عبد العزيز وجب على الناس الذبُّ عنه، وأما غيره فلا» (1) اهـ.

وكلام العلماء في هذا كثيرٌ، وبسط المقام له موضع آخر، ولهذا فإن هذه الفتنة قد سقط فيها الكثيرون حقا.! وأبانت عن خواء وتهافت الكثير من الأسماء، وأنها لا رصيد لها من تحقيق الحق .. ! وأكثر الناس الآن هم في غشاوة الوقوف مع الأقوى والذي يظنونه الغالب، ومع التيار كما يقولون، لكن لو تبدّلت الأحوال وجاء نصر الله تعالى لعبادة المؤمنين فسيسجل التاريخ شيئا آخر.! وحسبنا الله ونعم الوكيل.

وقولك أخي الكريم: «بغض النظر أيضا عن مكانتهم العلمية وعظمة مؤلفاتهم وكثرتها ومهما كانت الأسباب» ؛ هذا فيه تفصيل أيضًا؛ فالأصل المتقرر الذي نطلقه ولا نتردد فيه أن الحكم الشرعيّ نافذ في كل أحدٍ، لا فرق بين كبير وصغير، قال الله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) } [الزمر] وهذا خطابٌ للنبي - صلى الله عليه وسلم - خير خلق الله وأكرمهم على الله، وقال: {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) } [الحجرات] وهو خطابٌ لصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم سادات الأولياء والصالحين وفيهم الصدّيق - رضي الله عنهم - أجمعين، وقال تعالى: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) } [الأحزاب] ، وقال: {أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19) } [الأحزاب] .

لكن قد جاءت الشريعة أيضًا بالتفريق بين الناس من جهة الفضل؛ فإن الفاضل يُحتَمَل منه ما يُحتَمَل من غيره، وتُقال عثرته، وتغمر زلته في بحر فضائله وإحسانه وخيره الكثير، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم) وهو حديث ثابت (2) ، وقال سيدنا عمر - رضي الله عنه: «لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة» (3) .. وهذا كثير أدلته.

فتقرر أن من كان من أهل الخير والصلاح والتقوى في سائر أحواله المعروفة، وكثُر خيره وعظم فضله وحسُن في الإسلام بلاؤه، فإنه يُغتفر منه ما لا يُغتفر من غيره، ويقبل عذره، ويكون أقرب إلى أن نعتذر عنه في زلته؛ كما قالوا:

(1) التاج والإكليل (8/ 368) ، في شرح قول خليل: «فللعدل قتالهم» .

(2) سنن أبي داود (4357) وتتمته: ( .. إلا الحدود) ، وصححه الألباني.

(3) صحيح البخاري (5729) ، صحيح مسلم (2219) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت