فهرس الكتاب

الصفحة 388 من 1908

الدين المأمور بقتلهم وقتالهم) فما بقي إلا أنهما فئتان من المسلمين اقتتلتا، وقد بين الله تعالى في كتابه العزيز أوضح بيان الواجب في حال اقتتال فئتين من المؤمنين، ومما بينه الله تعالى ورسولُه - صلى الله عليه وسلم - من فروع هذه المسألة: أنه يحرُم الوقوف مع المبطل (وهو الأفجر الأبعد عن الحق) ويحرُم نصره على أهل الحق، وإن كان هذا المحق (أهل الحق) مخطئا في خروجه، كالحسين - رضي الله عنه - في خروجه على يزيد؛ فإن ابن عمر وابن عباس وجماعة من بقية الصحابة رأوْا خروجه خطأ وحذروه منه ونهوه، فهذا موقف اجتهاد، لكن هل كان يجوز لهم أن يقفوا مع يزيد ضد الحسين؟ وهل سيكون ممدوحًا عندكم أيها الشيوخ الفضلاء إذا هم فعلوا ذلك؟!

قَال الإمام القاضي «أبو بكر بن العربي» في «أحكامه» عند قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات] الآية: «المسْأَلةُ التَّاسِعَةُ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي رِوَايَةِ سَحْنُونٍ: إنَّمَا يُقَاتِلُ مَعَ الْإِمَامِ الْعَدْلِ سَوَاءٌ كَانَ الْأَوَّلَ أَوْ الْخَارِجَ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا عَدْلَين فَأَمْسِكْ عَنْهُمَا إلَّا أَنْ تُرَادَ بِنَفْسِك أَوْ مَالِكَ أَوْ ظُلْمَ الْمُسْلِمِين فَادْفَعْ ذَلِكَ.

المسْألةُ الْعَاشرةُ: لَا تُقَاتِلُ إلَّا مَعَ إمَامٍ عَادِلٍ يُقَدِّمُهُ أَهْلُ الْحَقِّ لِأَنْفُسِهِمْ، وَلَا يَكُونُ إلَّا قُرَشيًّا، وَغَيْرُهُ لَا حُكْمَ لَهُ، إلَّا أَنْ يَدْعُو إلَى الْإِمَامِ الْقُرَشي، قَالَهُ مَالِكٌ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ لَا تَكُونُ إلَّا لِقُرَشي. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ: إذَا خَرَجَ عَلَى الْإِمَامِ الْعَدْلِ خَارِجٌ وَجَبَ الدَّفْعُ عَنْهُ، مِثْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَأَمَّا غَيْرُهُ فَدَعْهُ ينتَقِمُ اللَّهُ مِنْ ظَالِمٍ بِمِثْلِهِ ثُمَّ ينتَقِمُ مِنْ كِلَيْهِمَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) } [الإسراء] . قَالَ مَالِكٌ: إذَا بُويِعَ لِلْإِمَامِ فَقَامَ عَلَيْهِ إخْوَانُهُ قُوتِلُوا إذَا كَانَ الْأُوَلُ عَدْلًا، فَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَلَا بَيْعَةَ لَهُمْ إذَا كَانَ بُويِعَ لَهُمْ عَلَى الْخَوْفِ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بُدَّ مِنْ إمَامٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي حَدِيثٍ يَرْوِيه مُعَاوِيَةُ: (إذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَتَانِ فَاقْتُلُوا أَحَدَهُمَا) (1) ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: (لَا تَكْرَهُوا الْفِتْنَةَ فَإِنَّهَا حَصَادُ الْمُنَافِقِين) (2) » (3) اهـ.

وفي «التاج والإكليل شرح مختصر خليل» : «ابن عرفة: لو قام على إمام مَن أراد إزالة ما بيده، فقال

(1) المعجم الكبير (710) ، المعجم الأوسط (3885) ، مسند الشاميين (2773) ، وصححه الألباني في: الصحيحة (3089) .

(2) حديث باطل، قاله ابن تيمية، وأنكره ابن حجر والسخاوي، ينظر: الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث (ص 257) .

(3) أحكام القرآن (4/ 153، 154) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت