عليه وعدم طاعته، وحُكي فيها الإجماعُ أيضًا (1) ، والأدلة عليها كثيرة معروفة ويكفي فيها قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين: ( .. إلا أن تروا كفرا بواحًا عندكم من الله فيه برهان) (2) .
فالواقع في مسألة الإمام أحمد - رحمه الله - أن أولئك الأئمة: «المأمون» و «المعتصم» و «الواثق» ، وقعوا في بدعة وضلالة وهي القول بخلق القرآن وغيرها من البدع الأخرى بسبب تأثرهم برجالٍ من دعاة المعتزلة والجهمية ممن أدنوهم وقربوهم ووثقوا فيهم، فتشربوا منهم تلك البدع، فقاموا ينشرونها في الناس ويعرضونها على العلماء ويمتحنونهم بها، وكانت فتنة عظيمة كما هو معروف مشهور؛ فهؤلاء الأئمة لم يكفرهم الإمام أحمد ولا أكثر مَن حضر تلك الأيام العصيبة من العلماء، بل لعل عدم تكفيرهم اتفاقٌ، وإن كانوا -أي علماء أهل السنة وعلى رأسهم الإمام أحمد- قد أطلقوا القول بأن القول بأن القرآن مخلوق: كفرٌ، وأن القائل لذلك كافرٌ، لكنهم لم يكفروا المعين في أكثر الأحوال كما هو معروف، بسبب اعتبار موانع الجهل والتأويل وغيرها.
والحاصل: أن الإمام أحمد وسائر العلماء لم يحكموا على أولئك الأئمة «المأمون» ومَن بعده بالكفر بسبب مقالتهم تلك، بل هم عندهم مسلمون وإن فسقوا ببدعتهم وضلالتهم المعتزلية، لكنهم باقون على الإسلام، ولم ينزعوا يدًا من طاعتهم.
وكان أولئك الأئمة في الجملة على سيرة حسنة فيما سوى ذلك، وكانت الشريعة محكّمة عالية، وكانت رايات الجهاد في زمنهم مرفوعة وجيوش المسلمين صائفة وشاتية غازية لبلاد الروم والترك والديلم، وما فتح «عمّورية» وقصة «وا معتصماه» (3) و «السيف الذي هو أصدق أنباء من الكتب» (4) عنك بغائبة، وإنما ابتلوا بتلك البدعة والضلالة غفر الله لهم ورحمهم الله.
مع أنه حتى في مسألة هؤلاء الأئمة الواقعين في بدعة «خلق القرآن» قد حصل أن خرج عليهم
(1) قال القاضي عياض: «أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل» انظر: شرح النووي على مسلم (12/ 229) ، وقال مثله الملا علي قاري في: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2393) ، وقاله غيرهما.
(2) صحيح البخاري (7055) ، صحيح مسلم (1709) .
(3) انظر: الكامل في التاريخ (6/ 38) وقد قوع فتح عمورية في سنة 223، قال ابن الأثير: «ذِكْرُ فَتْحِ عَمُّورِيَّةَ: لَمَّا خَرَجَ مَلِكُ الرُّومِ، وَفَعَلَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ مَا فَعَلَ، بَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْمُعْتَصِمِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ اسْتَعْظَمَهُ، وَكَبُرَ لَدَيْهِ، وَبَلَغَهُ أَنَّ امْرَأَةً هَاشِمِيَّةً صَاحَتْ، وَهِيَ أَسِيرَةٌ فِي أَيْدِي الرُّومِ: وَامُعْتَصِمَاهُ! فَأَجَابَهَا وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى سَرِيرِهِ: لَبَّيْكِ لَبَّيْكِ! وَنَهَضَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَصَاحَ فِي قَصْرِهِ: النَّفِيرَ النَّفِيرَ، ثُمَّ رَكِبَ دَابَّتَهُ، وَسَمَّطَ خَلْفَهُ شِكَالًا، وَسِكَّةَ حَدِيدٍ، وَحَقِيبَةً فِيهَا زَادُهُ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْمَسِيرُ إِلَّا بَعْدَ التَّعْبِئَةِ وَجَمْعِ الْعَسَاكِرِ؛ فَجَلَسَ فِي دَارِ الْعَامَّةِ» .
(4) يعني بذلك قصيدة «أبي تمام» البائية، التي قالها في مدح المعتصم في «عمورية» وهي 71 بيتًا، من عيون شعر أبي تمام.