فهرس الكتاب

الصفحة 408 من 1908

فليس غريبا أن الطواغيت المرتدين وأولياءهم الصليبيين يتتبعون العلماء والقيادات الإسلامية الصالحة من المجاهدين والدعاة إلى الله ويسجنونهم ويؤذونهم ويخرجونهم من ديارهم، فهذه هي طريق الأنبياء والرسل فيها كل هذا، فأتباعهم لا بد أن يصيبهم نصيب من ذلك ما داموا يعيشون ظروفا مشابهة من مواجهة الأقوام الكافرين والطغاة الظالمين، كما قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) } [إبراهيم] ، وقال تعالى لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) } [الأنفال] ؛ فهذا من لوازم السير على طريق الأنبياء والرسل ..

ولكن الذي نتمنّاه أن يكون العلماء والدعاة أقوياء في الأخذ بالأسباب التي شرعها الله تعالى وأحبها، ويقتدوا في ذلك بالأنبياء، كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خيرٌ وأحبُ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خيرٌ، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) رواه مسلم (1) ، والمراد بالمؤمن القوي في هذا الحديث -والله أعلم- القويّ في التدبير والأخذ بالأسباب، القوي على تحصيل المنافع الدنيوية والأخروية، وذلك بقوة الحرص والعزم وبذل المستطاع في تحصيلها؛ فلا يعجز ولا يستكين بل يستعين بالله تعالى ويجتهد ويأتي كل شيء من بابه، ويدفع أقدار الله بأقدار الله.

ومن ذلك أن لا يحقر الإنسان نفسه بأن يعرّضها لما لا تطيق من البلاء، ولا يستسلم للأعداء، ولا يمنحهم فرصة للنيل منه ما دام قادرا على الهرب منهم والفرار بدينه من الفتن والهجرة إلى الله تعالى والضرب في أرض الله الواسعة كما قال تعالى: {يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) } [العنكبوت] ، وقال - عز وجل: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100) } [النساء] .

وإن من غرائب الأمور أنك ترى بعض أهل العلم والدعوة يأنفون من الهجرة والهروب من الظلمة القاهرين لهم، ومن الفتن، ويرون الفرار من ظلم الطغاة منقصة، وقد يقول بعضهم: أنا لا أهرب!! يتمدّح بذلك ويتباهى!! وليس ذلك في ميدان القتال وساحة الصيال، إذن لكان شرفًا وفخرًا حقًا، بل وهو في قبضة العدو الطاغي المتجبر، وتحت قهره، وكأن هؤلاء خيرٌ من الأنبياء الذي أخبر الله عنهم أنهم هاجروا وفروا من أعدائهم الذين يضطهدونهم؛ فقد هاجر الكثير من الأنبياء والرسل .. إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وغيرهم كثير، وقال الله تعالى حاكيا عن

(1) صحيحه (2264) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت