أما بعد: فَقَدْ وَعَدَ اللهُ بِحفظِ هَذا الدِّينِ، وَتَكفَّلَ بِبِقَائِه حتَّى جَمْعِ العالَمينَ؛ فقيَّضَ لِذَلِكَ عُلَمَاءَ رَبَّانيِّينَ، مُجَاهِدِيْنَ عَامِلِينَ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الُمبْطِلِيَن، وَتأوِيلَ الجَاهلِينَ، وَيَدْعُونَ بِالْعِلْمِ مَنْ ضلَّ إلى الهُدَى، وَيَصبِرُونَ مِنْهمْ عَلَى الأَذَى، وَلَا يَضُرُّهُمْ سَخَطُ النَّاسِ عَليهِم؛ إنْ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، مَنَارَاتِ الطَّرِيقِ لِلسَّائِرِينَ، وَقُدْوَةِ الْبَذْلِ لِلْمُضَحِّيْن..
ومن هَؤُلاءِ العُلَماءِ العَامِلِينَ، القُدُوَاتِ البَاذِلِينَ، الصَّادِقِينَ الصَّابِرِيْنَ -كَمَا نَحْسِبُهُمْ، وَلَا نُزُكِّي عَلَى اللهِ أَحَدًا- الشَّيخُ الُمجَاهِدُ القَائِدُ الشَّهيدُ بِإِذْنِ اللهِ: «أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، جَمَالُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ اشْتِيوِي الُمصْرَاتِي الليْبِي؛ المَعْرُوفِ بِعَطِيَّةِ اللهِ - رحمه الله -» ..
فهو - رحمه الله - علَمٌ مِّن أَعلَامِ الجِهَادِ فَي هَذَا الزَّمَانِ؛ ذُو سِيْرَةٍ عَطِرَةٍ، وَعُلومٍ نَضِرَةٍ، أَتْبَعَ العِلْمَ العَمَلَ، وَصَدَّقَ القَوْلَ بِالفِعَلِ؛ فَحَمَل السِّلَاحَ، ورَفَعَ رَايَةَ الجِهَادِ، ذَابًّا عَنْ أُمَّتِهِ، مُنْتِصَرًا لِمَلَّتِه، مُقيمًا لِشَرِيعَةِ رَبِّه؛ فَجَدَّدَ تَارِيخَ السَّالِفِينَ، وَأَعَادَ أَمْجَادَ الغَابِرِينَ، وَأَحْيَا -مَعَ إِخْوَانِهِ المُجَاهِدِينَ- مَا دَرَسَ مِنْ مَعَالِمِ الجِهَادِ، فِي أُمَّةِ الاسْتِشْهَادِ؛ فَجَزَاهُ اللهُ عَنَّا وَالمُسْلِمِينَ خَيْرًا..
نعم؛ لَمْ يَكْتُبْ لَهُ التَّارِيخُ نَصْرًا عَسْكَرِيًّا حُسِمَتْ بِهِ مَعَارِكُ الأُمَمِ كَسَابِقِيهِ، لَكِنْ كَتَبَ لَهُ حَسْمًا أَعْظَمَ، وَنَصْرًا أَكْبَرَ؛ نَصْرًا سَجَّلَهُ بِدِمِهِ الزَّكِيِّ، وَعِلْمِهِ الصَّفِيِّ النَّقِيِّ؛ فَكَمْ خَرَّجَ مِنَ الاسْتِشْهَادِيَّينَ، وَبِعِلْمهِ انْتَفَعَ المُجَاهِدِيْنَ.. كَانَ دَمُهُ نُورًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَنَارًا عَلَى الكَافِرِينَ، وَقَبْلَ ذَلِكَ كَانَ قَلُمُهُ سَيْفًا عَلَى الغُلَاةِ وَالمُرْجِئَةِ والطُّغَاةِ، مَعَ الحَثِّ عَلَى الفَضَائِلِ، وَأَحْسَنِ الشَّمَائِلِ..
نبتت لِحْيتُهُ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللهِ - سبحانه وتعالى -، وَرَسخَتْ قَدُمُهُ فِي العِلْم والتَّأصِيلِ، وَالتَّمَسُّكِ بِالحُجَّةِ وَالدَّلِيلِ، وخاضَ غِمَارَ القِيَادةِ والسِّيَادَةِ؛ فامْتَثَلَ مَقُولَةَ الفَارُوقِ - رضي الله عنه: «تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تَسُودُوا» ؛ ثُمَّ مَا مَلَّ مُقَارَعَةَ الكَافِرِينَ بِالسَّنَانِ، وَمُحَاجَّةَ المُنَافِقِينَ بِالْبَيَانِ، وَدَحْضَ شُبَهِ المُثَبِّطِينَ بِالحُجَجِ الحِسَانِ، حتَّى بَزَّ أَشْيَاخَهُ بَلْهَ أَقْرَانَهُ، وَفَاقَ كِثِيرًا من مُعَاصِرِيهِ رُغْمَ صِغَرِ سِنِّهِ.
كان - رحمه الله - بِرَغْمِ قِيَادَتِهِ «قَاعِدَةَ الجِهَادِ» فِي أَفْغَانِسْتَانَ.. وَاسِعَ البَذْلِ لِلنَّصِيحَةِ، دَائِمَ العَطَاءِ فِي التَّعْلِيمِ، شَدِيدَ الحِرْصِ عَلَى وُضَوْحِ رَايَةِ الجِهَادِ، وَرَفْعِهَا بَيْنَ العِبَادِ، مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ، مُحِبًّا لِلْوِفَاقِ، كَارِهًا لِلْفِرَاقِ، رَادًّا لِّلشُّبُهَاتِ، وَمُنِيرًا لِلضِّيَاءِ فِي الظُّلُمَاتِ، حَاثًّا عَلَى حُسْنِ الخُلُقِ، يَعِيشُ لِأُمَّتِهِ لَا لِنَفْسِهِ، عَظِيمَ الهِمَّةِ، شَدِيدَ الْغَيْرَةِ، جَرّدَ سِلاحَهُ وَقَلَمَهُ نُصْرَةً لِدِينِهِ، وَذَبًّا عَنْ أُمَّتِهِ..