وكانت القَضِيَّةُ الكُبْرَى الَّتِي تَشْغَلُهُ وَتُؤَرِّقُهُ: إِقَامَةُ الخِلَافَةِ الرَّاشِدَةِ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، وَاسْتِعَادَةِ أَرَاضِي المُسْلِمِينَ المَغْصُوبَةِ وَعَلَى رَاسِهَا فِلَسْطِينُ.. بالجِهَادِ والاِسْتِشْهَادِ، وِقِتَالِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالرِّدَّةِ والغُلَوِّ وَالإِلْحَادِ، فَتَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ بِخَيْرِ بَيَانٍ؛ حَيْثُ وَضَّحَ غَوَامِضَ هَذِه الفَرِيضَةِ المُعَطَّلَةِ الْغَائِبَةِ فَجَلَّاهَا، وَفَصَّلَ مُبْهَمَ مَسَائِلِهَا فَحَلَّاهَا، مَعَ بُعْدِ نَظَرٍ، وَعُمْقِ فَهْمٍ، وَحُسْنِ تَدَبُّرٍ -فِي الوَاقِعِ- وَتَبَصُّرٍ؛ فَكَانَ - رحمه الله - خَيْرَ مُنَاصِرٍ لِّلجِهَادِ وَأَهْلِهِ: بَيَّنَ أَحْكَامَهُ، وجَلَّى فَضَائِلَهُ، وأحْيَا فِقْهَهُ -بَعْدَ اندِثَارِه-، وَغَامَرَ صِعَابَهُ، وَأَبْحَرَ فِي لُجَجِهِ، وَطَرَحَ شُبُهَاتِ خُصُومِهِ، وَرَدَّ عَلَى أَعْدَائِهِ -أَعْدِاءِ الجِهَادِ-؛ فَكَانَتْ رُدُودُهُ مُفْحِمَة، وَكَلِمَاتُه مُلْهِمَة، وَنَصَائِحُهُ بِالْخَيْرِ مُفْعَمَة..
ولأن كَلِمَاتِه وَجُهُودَهُ الْمُبَارَكَةِ قَدْ تَكَاثَرَتْ، وَمَنْفَعَتُهَا قَدْ عَمَّتْ، وَانْتَشَرَ صِيْتُهَا بَيْنَ البَاذِلِينَ أَرْوَاحَهُمْ فِي سَبِيلِ رَبِّهِمْ مِنْ خِيار هَذِهِ الأُمَّةِ المُجَاهِدِيْنَ؛ فَقَدْ شَدَدْنَا الْعَزْمَ عَلَى حِفْظِهَا لِلْأُمَّةِ، بِإِعَادَةِ تَرْتِيبِهَا وَتَنْضِيدِهَا، وَبَثِّ رُوحِ الْحَيَاةِ فِيهَا مَنْ جَدِيدٍ؛ فَلَئِنْ حُرِمْنَا التَّتَلْمُذَ عَلَى الشَّيْخِ فِي حَيَاتِه؛ فَلَنْ نُحْرَمَ -بِإِذْنِ اللهِ- أَجْرَ حِفظِ عِلْمِهِ بَعْدَ اسْتِشْهَادِه؛ بِصِيانَتِهِ مِنَ الضَّيَاعِ، وحِفْظِهِ مِنَ التَّحْرِيفِ والانْدِثَارِ، وَهَذَا أَقَلُّ وَاجِبٍ نُقَدِّمُهُ لِهَذَا الشَّيْخِ الْمُجَاهِدِ، وَلِإِخْوَانِهِ؛ نَصَرَهَمُ اللَّه..
وقبل الختام: فَلَا أَدْرِي أَيُّ عِبَارَاتِ الشُّكْرِ وَكَلِمَاتِ الثَّنَاءِ تَفِي حَقَّ مَنْ سَاهَمَ فِي هَذَا «الْمَجْمُوعِ» ؛ سَوَاءٌ شَارَكَنَا بِفَكْرَةٍ، أَوْ نَصِيحَةٍ، أَوْ مُشَاوَرَةٍ، أَوْ تَصْحِيحِ خَطَأٍ، أَوْ إِتْمامِ نَقْصٍ، أَوْ أَمَدَّنَا بِمَقَالَةٍ أَوْ كِتَابٍ، أَوْ نَشَرَ هَذَا العَمَلَ بَعْدَ إِتْمَامِهِ، وَأَعْتَذِرُ لَهُمْ جَمِيعًا لِعَدَمِ قُدْرَتِي عَلى تِعْدَادِ أَسْمَائِهِمْ وَأَلْقَابِهِمْ فِي هَذَا المَقَامِ؛ إِذْ ظُرُوْفُهُمْ وَأَحْوَالُهُمْ لَا تَسْمَحُ بِذَلِكَ، وَإَلَّا لَمَا أَغْفَلْتُ ذِكْرَهُمْ أَبَدًا، وَلَعَدَدْتُ أَسْمَاءَهُمْ وَأَلْقَابَهُمْ، بِلَا مَثْنَوِيَّةٍ أَوِ اسْتِثْنَاءٍ؛ فَإِلَى كُلِّ هَؤُلَاءِ نَقُولُ: جَزَاكُمُ اللهُ خَيْرًا:
فلَوْ كان للشُّكْرِ شَخْصٌ يَبينُ ... إِذَا مَا تأَمَّلَهُ النَّاظِرُ ...
لبَيَّنْتُهُ لَكَ حَتَّى تَرَاهُ ... فَتَعْلَمَ أنِّي امْرُؤٌ شَاكِرُ ...
وَلَكِنَّهُ سَاكِنٌ في الضَّميرِ ... يُحَرِّكُهُ الكَلِمُ السَّائِرُ
وَكَذَلِكَ أَشْكُرُ شُكْرًا حَثِيثًا كُلَّ مَنْ قَدَّمَ لِعَمَلِنَا هَذَا مِنَ المَشَايِخِ وَالْقَادَةِ؛ فَجَزَاهُمُ اللهُ خَيْرًا، وَبَارَكَ فِي سَعْيِهِمْ، وَسَدَّدَهُمْ إِلَى الحَقِّ وَالهُدَى.. فَإِنَّ سِلْسِلَةَ المُقَدّمِينَ لِهَذَا المَجْمُوعِ قَدِ اتَّصَلَتْ حَلَقَاتُهَا -تَارِيخِيًّا وَمَكَانِيًّا- حَتَّى عَمَّتْ مُعْظَمَ سَاحَاتِ الجِهَادِ وَلِلَّهِ الحَمْدُ، وَإِنَّ اجْتِمَاعَ هَذِهِ