الجواب:
الحمد لله ..
حاصل هذا الفعل المحكي عن هؤلاء المشايخ المشار إليهم هو استعمال التورية والمعاريض، فهذا إن كان ليدفع عن نفسه خطرًا مَخوفا من ظلم الطغاة فلا بأس به، ولا ضرر فيه إن شاء الله.
والواحد من أهل العلم هو أدرى بحاله وظرفه وما يحيط به من أخطار؛ فله أن يترخّص في العمل بالتقية في محلها المشروع، ويستعمل المعاريض أحيانا، فهذا كله مما أباحه الله تعالى للمؤمنين بشرط أن يكون القلب عامرًا بالإيمان مقرًا بالحق، وأن يكون الإنسان محسنًا بأن يقدر ذلك الظرف بقدره، ويقوم بما يستطيعه من طاعة الله تعالى، قال الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) } [التوبة] ، وقال جل وعلا: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) } [آل عمران] .
وقال كثير من العلماء: إن من شرط صحة هذا الترخص أيضًا ألا يدخل على الإسلام فساد كبير، أو يحصل لجمهور الناس ضلال عن الحق، فإن كان العالِمُ مسموعا مطاعا متّبعا منظورًا إليه مقتدىً به؛ فامتحنه الظلمة وأرادوا منه أن يجيبهم إلى الباطل ويطاوعهم إلى الإقرار بصحة باطلهم وضلالهم، بحيث لو فعل أضل جمهور الناس، فإنه في هذه الحالة لا يجوز له الأخذ بالرخصة وأن يطاوعهم ويعطيهم ما أرادوا، بل يجب عليه الصبر ولو قتِل في سبيل ذلك؛ وهذا هو المقام الذي وقع للإمام أحمد - رحمه الله - تعالى في محنة خلق القرآن.
وأما ما عدا ذلك بأن كان مغلوبا مضطهدًا خائفا من ظلم الطغاة وقهرهم، ولم يكن في ترخّصه باستعمال التقية أو التورية والمعاريض، تلبيس كبيرٌ معتبر على الخلق، وإضلال عامّ وكبيرٌ للناس، وبحيث لو وقع شيء يسير من اللبس أمكن زواله بيسر بعد ذلك، فله الترخّص إن شاء الله بشرطه المذكور.
فهذه إذًا حالات يقدرها الواحد من أهل العلم بقدرها حين يُبتلى بها .. والله المسؤول أن يفرج الكروب ويغفر الذنوب، إنه هو التواب الرحيم.
والحمد لله، نحن في هذا الزمان عندما نجد بعض أهل العلم بهذه المستوى فهذا شيء مفرحٌ، فلا بأس أن يتلطفوا ويسايسوا ويحذروا من الطغاة، ويخفوا إيمانهم أيضا ومذاهبهم، المهم أن يكونوا مع الحق، قائمين في الباطن وفي السر وفيما يقدرون عليه بالواجب من نصرة الحق ونصرة الجهاد وأهله