فهرس الكتاب

الصفحة 413 من 1908

المظلم؛ يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرًا يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل) (1) ، فتن تتوالى وتتابع يرقّق بعضُها بعضًا أي يُصيره ويظهِرُه رقيقًا؛ لأن التي تأتي هي أكبر من أختها فتبدو أختها السابقة صغيرة بالنسبة إليها، نسأل الله أن يعصمنا وإياكم من مضلات الفتن ..

والفتنة بالسلاطين والأمراء والحكام والملوك هي من أشد أنواع الفتن التي تفسد العلماء وتذهب بدينهم، ولهذا ورد في الشريعة التحذير منها، وجاء عن السلف من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - جميعا في ذلك شيء كثير، وقد جمع السيوطي - رحمه الله - ما ورد في ذلك في رسالته التي أشرنا إليها في جواب سابق (2) .

ولو فرض أنه لم يرد في ذلك شيء صحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه لا شك في تحريم القول على الله بغير علم والكذب على الله ورسوله، وكتمان العلم، والقول بالباطل والحكم به، والسكوت عن الحق المتعين بيانه، ومعاونة الفجرة والظالمين والمحدِثين في الدين، بلهَ الكافرين الزنادقة المرتدين، ومعلومٌ يقينًا أن قرب السلاطين أهل الدنيا، وطرق أبوابهم، وغشيان مجالسهم، ومخالطتهم، والجلوس على موائدهم وقبول مننهم، أنه وسيلة مؤكدة إلى تلك المحرمات الموبقات؛ فعُلِم بذلك النهي والزجر الأكيد عنها، وتحريمها بلا تردد.!

وهذا هو الذي فهمه السلف - رضي الله عنهم - وأرضاهم؛ فحذروا من قربان السلاطين أشد التحذير، مع أن السلاطين كانوا في زمانهم سلاطين الإسلام وأئمة المسلمين الذين يحكمون بشريعة الإسلام، ويسيرون جيوش الإسلام لفتح البلاد وبسط كلمة الله على العباد، ورفع رايته فوق كل سهل وجبل.

وأما هؤلاء الحكام اليوم ممن ابتلينا بهم .. فإن مقاربتهم هي والله السمُّ الزعاف الذي لا يكاد يُرجي لصاحبه بُرء، نسأل الله أن يعافينا وكل أحبابنا ومشايخنا .. آمين؛ فإذا تأملت ذلك وعرفت ضعف الإنسان وقلة صبر أكثر الخلق وتمكّن الشهوات من النفوس، لم تستغرب من كثرة الهالكين، وإنما الغرابة حقًا في الناجين السالكين.! وكما قال بعض السلف: ليس العجب فيمن هلك كيف هلك، إنما العجب فيمن نجا كيف نجا .. !

نعم .. أولئك الغرباء أهل غربة الدين الذين أخبر عنهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء) (3) ، ولما سئل عنهم أخبر بأنهم: (الذين يصلحون ما أفسد

(1) صحيح مسلم (118) .

(2) يعني رسالته - رحمه الله - المسمّاة: «ما رواه الأساطين في فتنة من أتى أبواب السلاطين» .

(3) صحيح مسلم (145) لكن بفلظ: (وسيعود كما بدأ غريبا .. ) ، ورواه بهذا اللفظ جماعة كُثر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت