فهرس الكتاب

الصفحة 416 من 1908

خَالِدُونَ (217) [البقرة] .

وقصة نزول هذه الآية الكريمة -كما هو معروف-: أن المشركين شنّعوا على المسلمين بأنهم قاتلوا وقتلوا في الشهر الحرام، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بعث سرية على رأسها عبد الله بن جحش في أواخر جمادى، فصادفوا رجالا من المشركين فقتلوهم في آخر الشهر وهم يظنونه من جمادى؛ فتبين بعدها أنه كان أول رجب، فشنع عليهم «إعلام» المشركين، وأثاروها «ضجّة» كبرى، ومن ورائهم اليهود لعنهم الله، وقالوا: هذا محمد يزعم أنه يأمر بتعظيم شعائر الله ويقتل في الشهر الحرام، وتكلموا كثيرا، فلما رجع عبد الله بن جحش وأصحابه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم: (ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام) ، وحزِن النبي - صلى الله عليه وسلم - مما وقع، وهذا من تمام رحمته - صلى الله عليه وسلم - وشفقته على أمته وحذره من نفرة الخلق عن الحق، فنزلت هذه الآية الكريمة من سورة البقرة (1) ، يبين الله تعالى فيها أن القتال في الشهر الحرام كبيرٌ، أي إثم عند الله، نعم، وهذا تعليم لنا أن نقرّ بالحق ونقوم بالقسط، ثم بين أن الأكبر منه والأشد هو ما فعلتموه أنتم أيها المشركون من الصد عن سبيل الله والكفر به والصد عن المسجد الحرام وإخراج أهله منه، فهذا أكبر عند الله، ثم بين قاعدة عامة وهي أن الفتنة أكبر من القتل.

فالحاصلُ أن المنهج المقصود هنا في حالة وقوع الأخطاء من المسلمين والمجاهدين في حق أعدائهم يتمثل -انتزاعًا من هذه الآية الكريمة وما في معناها- في نقاطٍ أهمها:

-الاعتراف بالخطأ حيث كان واضحًا وجليًّا.

-وبيان أنه خطأ لا نقره، بل ننهى عنه، ونعطيه درجته وحجمه اللائق.

-والاعتذار عن المسلم المرتكب له إن كان ثمتَ عذرٌ.

-ثم الانتقال من ذلك إلى الأهم، وهو الهجوم على الكافرين أعداء الدين وبيان أنهم هم الظالمون المعتدون، وردّ عاديتهم ببيان فسادهم الكبير وآثامهم العظيمة، والتنكيل بهم بإبراز أفعالهم القبيحة الشنيعة حقا، وأن أخطاء المسلمين بالقياس إلى خطاياهم هم .. لا تساوي شيئا.!

فهذا هو المنهج الصحيح في مثل هذه المآزق، والله أعلم، وبه - عز وجل - التوفيق.

وأنت تعلم أيها الأخ الحبيب أن الحامل على مثل هذا التسرع والمجازفة المشار إليها في سؤالكم قد

(1) ينظر: السنن الكبرى للنسائي (8752) ، جامع البيان للطبري (4089) ، تفسير القرآن العظيم (1/ 573، 574) ، وهو صحيح مرسلا عن عروة بن الزبير، وروي موصولا عن جندب البجلي - رضي الله عنه - وفي إسناده «الحضرمي» وقد اختُلف فيه؛ فإن كان «ابن لاحق» فالحديث حسن، وإن كان شيخ «سليمان التيمي» فهو مجهول، ينظر: تخريج الظلال للسقاف (ص 56) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت