فهرس الكتاب

الصفحة 433 من 1908

وبأحكامهم وبأنها طاغوتٌ، لكنه يقول: ما الحيلة في أخذ حقي ومالي المغتصب، ولا يمكنني التوصل إلى ذلك إلا بالشكوى إلى هذا الطاغوت والاستعانة به ليأخذ لي حقي من رعيّته وأبنائه ويسلّمه لي؟!

قالوا: ومعلوم أن معنى التحاكم رفعُ القضية المختلف فيها بين الخصمين إلى جهة لتحكم بحكم بينهم؛ فهو تفاعُلٌ في الأصل لأنه تشارُكٌ بين اثنين، وهذا أكثر استعمال صيغة «تفاعل» ، فإذا استعمل للواحد فهو بمعنى مجرّده (الفعل المجرد منه، تقديرًا إن لم يكن مستعملا) ، وهذا الذي يرفع القضية إنما يرفعها على شرط الالتزام بحكم تلك الجهة، إما ظاهرًا وباطنًا (مؤمن بها) ، أو ظاهرًا فقط.

فالتحاكم إذن: هو طلب الحكم من جهة ما على أن يأخذه ويتلقاه عن تلك الجهة ويلتزم به.

فهذا معنى التحاكم، والذي نصّ الله - عز وجل - أنه لا يجوز إلا له سبحانه أي إلى شرعه وما جاء به رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وعدَّ المتحاكمَ إلى غيره (إلى غير شرعه وما بعث به رسولَه) كافرًا متحاكما إلى الطاغوت، وسمّى الله ُ تبارك وتعالى هذا الذي يحكم بين الناس على غير مبدأ الالتزام بشريعة الله تعالى طاغوتًا وأمر بالكفر به.

وأما مسألتنا التي نحن بصددها فليس فيها هذا المعنى، فخرجت عن حدّ «التحاكم» ، بل كل ما فيها أنها شكوى إلى ذلك الطاغوت واستعانة به ليؤدي الحق إلى صاحبه، فهذه مسألة أخرى، ولا يضرنا كونه يتخذ إجراءاته القضائية والحُكمية التي يؤمن بها في دينه الباطل، فهذا عمله هو، وحيث لا يمكن التوصل إلى الحقوق المعتبرة للناس إلا بها فالترخّص فيها واضحٌ سبيله.!

فإذا تقرر ذلك فإن شرطها: أن يكون الحق المطلوب تحصيله معلومًا كونه حقا للشخص المسلم المظلوم الشاكي، ومرجوٌّ أن تلك الجهة الطاغوتية ستعطيه إياه (ترده إليه) بعد إجراء ما يلزم من التحقيق والإثباتات، فيأخذ حقه ولا يزيد عليه بأخذ ما يشك فيه أو يجهله، لأن ما يشك فيه أو يجهله فإنه أتى إليه بحكم الطاغوت، وأما حقه المتقرر المعلوم في الشريعة وفي جميع الشرائع فإنه حقه يأخذه لأنه حقه في حكم الله.

وهذا القول الأخير قويّ ومتجه جدًا، على أن المسألة تحتاج إلى مزيد بحث.

ولعل فيما كتبناه تنويرًا للمسألة وتفتيحا وتفهيمًا، يستفيد منه الإخوة، ويُعرَف به أن المسألة اجتهادية؛ فلا ينبغي أن تكون سبيلا لتخالف القلوب والتباغض والتدابر بين المسلمين.

والله تعالى أعلم .. وأستغفر الله من كل ذنب.

والحق أن هذه المسألة من دواعي الجهاد في سبيل الله تعالى حتى يكون الدين كله لله، ولو أن المسلمين قاموا بواجب الجهاد ونهضوا له وشمروا واستعانوا بالله لما احتاجوا في أكثر الأحوال إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت