فهرس الكتاب

الصفحة 436 من 1908

الطريق الثانية: استخلاف الخليفة السابق للاحق، فيقرّه المسلمون «أهل الحل والعقد» .

الطريق الثالثة: أن يتغلّب أحدٌ على الحكم ويستتب له الأمر، فقال أكثر علماء أهل السنة إنه حينئذ وإن لم يكن مستوفيا للشروط، يجب على المسلمين اعتباره إمامًا، فيسمعون له ويطيعون، ومبنى ذلك على قاعدة «المصالح والمفاسد وموازناتها» ، وإلا فهو خلاف الأصل (1) .!

وهذا الأخير هو الذي قال فيه الإمام أحمد قولته المشهورة: «ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين، لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إمامًا عليه برًا كان أو فاجرًا فهو أمير المؤمنين» ذكره أبو يعلى في «الأحكام السلطانية» (2) .

فالإمام الأعظم المنعقد له الإمامة بإحدى هذه الطرق يجب على المسلم أن يعتقد إمامته.

وقولنا «يعتقد إمامته» هو معنى قول الإمام أحمد «يراه إمامًا على نفسه» .. فهذا هو القدر الواجب على عموم المسلمين، وهو معنى البيعة بالنسبة إليهم.

وأما البيعة الخاصة التي هي: صفقة اليد مع النطق بلفظ المبايعة والعهد على السمع والطاعة .. الخ؛ فهذه لا تلزم عموم المسلمين، ولا هي شرط لانعقاد إمامة الإمام، بل إنما تجب أو تستحبُّ من خواصّ المسلمين وهم أهل الحل والعقد، أو ممن يطلبها منه الإمامُ، أو مَن حضر مجلس المبايعة.

فهذه هي باختصار أحكام البيعة للإمام الأعظم للمسلمين إذا كان واحدا.

فيقال: إذا تعددت الأئمة، بأن كان لكل ناحية من بلاد المسلمين إمامٌ ممكّن انعقدت له بيعة من أهل ناحيته -شعبِهِ- فما الواجبُ؟

الجواب: الواجب هو أن يبايع المسلم الإمام المنعقد له بيعة شرعية في ناحيته وإقليمه وبلده

(1) هذا السبيل ليس من الطرق الشرعية، وإنما أجازه من أجازه ضرورة لأجل مصلحة المسلمين وحقن دمائهم، وهذا الطريق لم يجمع المسلمون على اعتباره مما تنعقد الإمامة عن طريقه بل هم فيه مذهبان: الأول: قالوا لا تنعقد إمامته ـ أي المتغلب ـ ولا تجب طاعته، لأنه لا تنعقد له الإمامة بالبيعة إلا باستكمال الشروط فكذا القهر، وذهب إلى هذا القول الخوارج والمعتزلة ووجه لبعض الشافعية. الثاني: وهو مذهب أهل السنة والجماعة أن الإمامة يصح أن تعقد لمن غلب الناس، وقعد بالقوة على كرسي الحكم وأقام مقاصد الإمامة، ونُقل هذا عن مالك والشافعي وأحمد، وقال ابن تيمية: «فمتى صار قادرًا على سياستهم، إما بطاعتهم أو بقهره فهو ذو سلطان مطاع إذا أمر بطاعة الله» ، قال رشيد رضا - رحمه الله: «وَمعنى هَذَا أَن سلطة التغلب كَأَكْل الميتَة وَلحم الخِنْزِير عِنْد الضَّرُورَة تنفذ بالقهر وَتَكون أدنى من الفوضى. وَمُقْتَضَاهُ أَنه يجب السَّعْي دَائِما لإزالتها عِنْد الإِمْكَان، وَلَا يجوز أَن توطن الأَنْفس على دوامها، وَلَا أَن تجْعَل كالكرة بَين المتغلبين يتقاذفونها ويتلقونها، كَمَا فعلت الأُمَم الَّتِي كَانَت مظلومة وراضية بالظلم لجهلها بقوتها الكامنة فِيهَا، وَكَون قُوَّة مُلُوكهَا وأمرائها مِنْهَا» اهـ. ولي مبحثٌ بعنوان: «هل البغدادي متغلب؟ وما حكم بيعته؟» تكلمت فيه عن حكم التغلب.

(2) (ص 20) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت