فهرس الكتاب

الصفحة 454 من 1908

قُلُوبُكُمْ [الأحزاب: 5] ، فعلى هذا يتعين أن الفصحاء فرقوا في الاستعمال بين مرتكب الخطيئة ومرتكب الخطأ، وعلى التفرقة بين أخطأ وخطئ درج نفطويه وتبعه الجوهري والحريري، وذهب أبو عبيد وابن قتيبة إلى أن اللفظين مترادفان وأنهما لغتان، وظاهر كلام الزمخشري هنا أنه جار على قول أبي عبيد وابن قتيبة فقد فسر هذه الآية بالمعنيين، وقال في الأساس: أخطأ في الرأي وخطئ إذا تعمد الذنب، وقيل هما واحد. ويظهر أن أصلهما لغتان في معنى مخالفة الصواب عن غير عمد أو عن عمد، ثم غلب الاستعمال الفصيح على تخصيص أخطأ بفعل على غير عمد وخطئ بالإجرام والذنب، وهذا الذي استقر عليه استعمال اللغة، وإن الفروق بين الألفاظ من أحسن تهذيب اللغة، فأما محمل الآية هنا فلا يناسبه إلا أن يكون {خَاطِئِينَ} من الخطيئة ليكون الكلام تعليلا لتكوين حزنهم منه بالآخرة (1) » (2) اهـ.

وسائر أقوال المفسرين لا تخرج عن هذا فيما رأيت.

فالاستدلال بمثل هذه الآية الكريمة على أن كل عسكري ينتسبُ إلى جيش أي حكومة من الحكومات المعاصرة التي نكفرها (كحكومة السودان مثلا، أو السعودية) كفارٌ لأنهم أتباع لهذه الدولة، والأتباع كالمتبوعين في الحكم؛ لأن الآية سوّتْ بينهما، مجازفة علمية خطيرة.! والله أعلم.

بل الصحيح هو التفصيل الذي ذكرناه مرارًا، وأن الواجب إناطة الحكم بنصرة الطاغوت الكافر ونصرة الدولة المرتدة ونصرة الكفار على المسلمين، فهذا لا شك أنه كفر، فمن وقع فيه فهو كافرٌ، وهذا يختلف تبينه ومعرفتنا به باختلاف الأحوال من حال العافية إلى حال الحرب والقتال، ويختلف باختلاف وضوح كفر الحاكم والدولة أو خفائه، وغير ذلك.

فجنديٌّ في جيش دولة «عُمان» الآن مثلا وهم في حال سِلم وعافية، ليس كجندي يخدم في جيش «الجزائر» ويشارك في عمليات التمشيط بحثا عن المجاهدين هناك، فهذا الأخير كافرٌ عندنا، بخلاف الأول.! وعندما يأتي الامتحان لذلك الأول (الجندي العُماني الموصوف) فيوضع على المحك قد ينصر دولة الردة وقد لا ينصرها ويتنصّل منها، فنحن نحكم عليه بحسب الحال.

لكن إذا قاتلنا هذه الدولة ونحوها .. فإن كل من يكون في صفها من الجنود والأعوان والأنصار فحكمهم حكمها في القتل والقتال وسائر أحكام الحرب، ولا نسأل حينها عن إسلامه أو كفره كبيرَ سؤال، فتبقى مسألة تكفيره أو عدم تكفيره، لا يتوقف عليها قتالنا وقتلنا لهم.

(1) كذا ولعلها بالاستعارة. [المؤلف]

(2) التحرير والتنوير لابن عاشور (20/ 76، 77) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت