فهرس الكتاب

الصفحة 490 من 1908

فنكفّره في الحالة الأولى ولا نعتبر جهله ذاك عذرا له.

ولا نكفّره في الحالة الثانية؛ بل نعتبر جهله في هذه الحالة، لأنه جاهل فعلًا ولم يتمكن من العلم، والظروف لم تساعده والعلم ليس مبذولا له، فالظاهر أنه لم يقصر، بحيث إننا نظن أنه لو كان العلم مبذولا ميسورا منتشرا عنده لكان يعرف خطأه ويمتنع عن ارتكاب ذلك الناقض.

ملاحظة: هناك قولٌ آخر في المسألة لبعض العلماء يمكن جعله قولا رابعًا، كما يمكن جعله داخلا في القول الأول لأنه آيلٌ إليه في الحقيقة، وهو: القول بأن هذا مشركٌ (أي نسميه مشركًا وهو هنا بمعنى الخارج من الملة) ولا نسمّيه كافرًا لأنه لم تقم عليه الحجة.

وهؤلاء فرّقوا بين إطلاق اسم «الشرك» وإطلاق اسم «الكفر» في هذا الموضع، وهو اصطلاح، لكن حقيقة هذا القول هي القول الأول، لأن كلامنا إنما هو في أحكام الدنيا، أي حكمنا نحن على هذا الشخص في ظاهر الشرع، لا في أحكام الآخرة أي مصيره عند الله يوم القيامة.

النقطة الحادية عشرة: تحرير المسألة، وذكر استدلالات أصحاب هذه الأقوال، والترجيح بينها بطريقة علمية فقهية هو ما نتمنّى أن ييسره الله تعالى في فرصة أفضل بعونه ومدده - عز وجل -، وهو أمر ليس بالسهل فهي مسألة شائكة تكافأت فيها الاستدلالات وغمضت فيها المدارك، والله المستعان.

النقطة الثانية عشرة: الإنسان العاديّ منا (العامّيّ) ، وطالب العلم -وكذلك العالم- الذي لم يحرر المسألة تحريرًا شافيا يطمئن إليه ويعتمد على مثله، عليه أن يحتاط ويأخذ جانب الحذر، فالاحتياط هنا أصل أصيل نلجأ إليه حيث لم يتبين لنا الصواب في المسألة.

والعامّي عليه أن يقلد العلماء على حسبِ ما هو مقرر في الأصول، وعليه أن يكفّ عن الكلام في هذه المسألة، ولا يقدِم على تكفير أحدٍ في الحالات المختلف فيها، بل يقول لا أدري، واسألوا العلماء، ويكفي معرفة أن الفعل كفرٌ وأن يجتنبه، أما الفاعل فلا يلزمه الحكم عليه في مثل هذه المسائل التي يختلف فيها العلماء وتشتبه، فعليه أن يعرف قدره ويحتاط لدينه.

النقطة الثالثة عشرة: فعلى الشباب ألا يتسرعوا في تكفير الجهال ممن تلبّس بشيء من شرك القبور والأولياء ونحوها من قومنا ولا سيما من كبار السنّ الجهلة، حتى يعرِفوا أنهم ممن قامت عليهم الحجة .. فهذا على العموم أسلم للشباب وأحوط، وليتركوا الحكم للعلماء.

ومن قلّد عالما في تكفيرهم أيضا فلا جناح عليه ولا لومَ فإنه آخذ بقول قوي معتبر في المسألة، ولكن عليه أن يضيف إلى ذلك شيئا آخر من العلم الفقه وهو: أن يعرف أن المسألة محل خلاف واجتهاد، وليعذر من يخالفه فيها ممن يحكم على أولئك بالإسلام لجهلهم حتى تبلغهم الحجة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت